فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 611

مصطلح المجتهد يحمل في ذهن المسلم مجموعة من الشّروط التي لا يقبل أن يتنازل عنها بسهولة، مع أنّنا نعترف أن كثيرا من هذه الشّروط ليست صحيحة، لكنّ هذه الصّورة على العموم لا تسمح للمدّعي أن يلج إلى هذا المصطلح ويتلبّس به بسهولة، وممّا استغلّه أصحاب هذا الشّعار، هو أن الفقه الإسلامي باعتباره مصطلحًا، صار قاصرًا في موضوعه على مجموعة من الأبحاث لا يتعدّاها، مثل العبادات والمعاملات، وهكذا فإنّهم اقتصروا في اجتهاداتهم على هذه الأمور، فالفقيه الإسلامي في هذا العصر هو الّذي يتكلّم في شئون فقه الصّلاة، وفقه الصّوم، وفقه الزّكاة، وفقه الحج، وأحكام الدّماء والطّهارة وما جرى على هذا المنوال، وأمّا المفكر الإسلامي فهو الّذي يبحث فيما لا يدخل في اختصاص الفقيه الإسلامي (حسب قسمة عقليّة الانحطاط المتأخّرة) . ومن هذه الأمور الّتي ولج فيها المفكّر الإسلاميّ بقوّة: مسائل السّياسة الشّرعية، فهو يتكلّم عن الدّيمقراطية في الإسلام، والاشتراكية في الإسلام، والعدالة الاجتماعية في الإسلام، ونظام الحكم في الإسلام... الخ هذه القائمة الطويلة، وهذا المفكّر بهذه اللعبة الغريبة سمح لنفسه أن يجتهد في أعظم مسائل الدّين والفقه، ولكن تحت دعوى أنّه مفكّر إسلامي، وليس فقيهاّ أو مجتهدا، مع أنّه في الواقع هو فقيه ومجتهد (ولكن ليس كل مجتهد مصيبا) وباستخدامه كلمة المفكّر أُسقطت عنه الكثير من المساءلات والعوائق الّتي ستقع لو أطلق على نفسه وصف الفقيه أو المجتهد، وحتى تتضح لك الصّورة أكثر فخذ هذا المثال: الشّيخ المجتهد الفقيه راشد الغنّوشي، أظنّ أنّك لن تستسيغ هذه الأوصاف لهذا الرجل، لكنّها الحقيقة على كلّ حال، ويقابله في الصّورة الأخرى: المفكّر الإسلامي عبد العزيز بن باز (أظنّ أنّك لن تستسيغ هذا الوصف كذلك، لكنّها الحقيقة على كلّ حال) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت