فتكرار هذا النّوع من الخطاب أفقد العبارات القرآنيّة والنّبوية نضارتها وحضورها في نفسيّة الشّابّ المسلم المعاصر، فأين عبارات: الإيمان، والتّوحيد، والكفر، والرّدة، والجهاد، والشّيطان، والخير، والشّر، والفسق، والذّكر، والإنابة، والإخبات، والحب، والولاء، والبراء، وغيرها من العبارات التي تحمل في داخلها المفاهيم الإسلاميّة كما تعامل معها السّلف.
إذًا صار الشّباب المسلم بعيدًا كلّ البعد بسبب هؤلاء المفكّرين (الآرائتيين) عن هدي الكتاب والسنّة، وقد اكتشف بعضهم فقدان هذا الخطاب الآرائتي أثره على قطاع من الشباب، إذ بدأ الشّباب ينفلت من حركة المفكّرين المنحرفة، وصار يتوجّه إلى ما يسمّى بالكتب الصّفراء، وأسباب هذا الاكتشاف، وعوامل تنميته له جوانب كثيرة ليس هذا مجال ذكرها، لكنّي أستطيع أن أقول أنّ أثر دعوة الشّيخ محمد بن عبد الوهاب ثمّ كتب الشّهيد سيد قطب كان لها الأثر القويّ في هذا الاكتشاف وإحياء الخطاب الشّرعي الصّحيح الملائم للحقّ القرآنيّ.
هذا الاكتشاف والتوجّه الجديد بدأ يهزّ العروش النّخرة من سلطان الآرائتيين فكان لابدّ من معالجة هذا التّوجّه بما يناسبه، فتوجّهت بسرعة حركات الرأي الضّلاليّة إلى أصحاب العمائم القديمة، لتقنين هذه الأفكار التي صدرت من الآرائتيين في صورة فقهيّة، تناسب التوجّه الجديد، فبدأ أصحاب العمائم (الفقهاء) يفتّشون في بطون الكتب الفقهيّة ليساندوا هؤلاء الآرائتيين بأقوال الفقهاء القدماء:
المفكر ينفي حدّ الرّدّة، يأتي الفقيه ليقول له إنّ حدّ الردّة كان سياسة وليس تشريعًا دائمًا، وإن شئت فاقرأ كتاب "الفروق" للإمام القرافي المالكيّ لترى الفرق بين فعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم كمشرّع وفعله كقائد دولة وسياسي.