لكنّ علينا أن لا ننسى أنّ قومًا من الخطباء ما زالوا يعيشون خارج واقعهم ويفكّرون بالمعارك الفائتة، ويتصوّرون أنفسهم في زمن فتنة خلق القرآن، أو في زمن الخصومة بين الأشاعرة والحنابلة، فهذا خطيب من خطباء المسجد المكّي وقت أزمة الخليج حين سلّط الله حبيب الكويت على أهل الكويت، وجاءت قوات الصّليب لتردّ قوات المرتدّين، وانقسم النّاس بطريقة غثائيّة إلى مواقف ما أنزل الله بها من سلطان، وكان أهل الشّام على الجملة، وخاصّة غثاء أهل الأردن وفلسطين، قد شايعوا صدام وحلموا به أنّه المنقذ وشبّهوه بأنّه صلاح الدّين، ودارت بهم سماديرهم حتّى رأوا صورته في القمر، وصارت المساجد بخطبائها موقد فتنة، ومصدر شرّ، وكان في الجهة المقابلة لهم أهل الخليج والجزيرة، حين حلفوا برأس بوش تأليهًا له وتقديسًا، وأعلن الشّيخ الإمام أبوبكر الجزائري قائلًا: "جزى الله أمريكا خيرًا"، وصار الأمريكيّ والإنجليزيّ الكافر أحبّ إليهم من بني جلدتهم المسلم في تلك الفتنة العمياء، يقوم خطيب المسجد المكّي ليفسّر للنّاس واقع المعركة فيقول: "ماذا ينقم علينا أهل الشّام، أينقمون علينا أنّنا أهل توحيد؟ وأنّنا أصحاب العقيدة الصّحيحة؟". ا. هـ. فأهل الشّام ومعهم أهل العراق في ذهن الخطيب الإمام، هم أهل البدع، لأنّهم صوفيّة أشاعرة، وأهل الجزيرة موحّدون حنابلة، ولذلك لم يقم صدّام بغزو الكويت ولا التّحضير لغزو الجزيرة إلاّ للقضاء على المذهب الوهّابي!! ونشر الطّرق الصّوفيّة والعقيدة الأشعرية!.
وفي جلسة لي مع أحد هؤلاء قال لي: "أنا لا أخاف من صدّام لكونه بعثيّ ولا لكونه يهوديّ ولا لكونه مخرّب ومفسد في الأرض ولكنّي أخاف منه بأنّه إذا دخل الجزيرة يعيد القباب ويشيد القبور ويطلق يد أهل البدع من الصّوفيّة والأشاعرة في بلادنا.