فيه الرأي العام الشعر كما كان يدركه الرأي العام في عصر الأخطل؟
وليت أن هذه الوسائل كانت تعين على عز وجاه في بلد للشعر فيه كل العز والجاه والمال، ولكنها وسائل لا تغني فتيلا ولا تقرب من عز أو جاه أو مال، لأن هذه أمور لا تنال بالشعر إلا التافه الحقير منها وما أكثر طلابه.
أما الأستاذ الغمراوي فليست له مطامع دنيوية، وإنما هي العقيدة التي تقدمت به وبهذا المبدأ الذي يريد أن يسنه للشعراء؛ ولكنه لو كشف له عن سريرة الأدباء جميعًا حتى أشدهم تعصبًا للقديم لوجد في سريرتهم أنهم يقولون كما قال الأخطل وأنهم يعرفون من أدب اللغة العربية ما يقصر أُخوة الدين على شعر الحواشي والمتون.
قال الأستاذ الغمراوي إن أدباء المذهب الجديد يأخذون عن الأوربيين ما يخالف التقاليد الإسلامية، وأنهم إذًا يريدون (تغلب دين على دين) أي دين الأوربيين على دين العرب المسلمين، وإنهم يبيحون الشهوات، وإنهم أنصار الرذيلة. وقد ناقض الأستاذ نفسه في هذا القول لأنهم لو كانوا يريدون تغليب المسيحية حقًا ما أباحوا الشهوات ولا كانوا من أنصار الرذيلة. وإن إباحة الشهوات ليست مذهبًا في الشعر أو النثر جديدًا، ففي الأدب العربي في كل عصر من هذه الإباحة ما ليس له مثيل في هذا العصر. وكان الأدباء المبيحون للشهوات أمثال بشار وغيره لا يدينون بدين. وإن أدباء المذهب القديم في عصرنا لا ينكرون أن بشارًا وأبا نواس وغيرهما من مذهبهم الذين يدافعون عنه، أي المذهب القديم، وإن الفضائل إذًا ليست عامة فيهم والرذائل ليست عامة في خصومهم ولا التدين أيضًا، وإنما هم يعرفون أن سليقة الشعر فسدت في أكثر القراء والرأي العام عمومًا في عصر عظمت فيه قوة الرأي العام ونفوذه، فهم يريدون استغلال تعصب الرأي العام الذي فسدت فيه سليقة الشعر ولم يبق له أو لطائفة كبيرة منه غير النعرة الدينية التي يريدون أن تستبيح كل شيء حتى المجون ابتغاء مرضاة الله. فقد بلغ القراء خبر الحفلة التي أقيمت لإحياء ذكرى حافظ بك إبراهيم، وقد نشرت الصحف القصائد التي قيلت فيها، وكان بها من المجون ما لو قاله أحد الأدباء الشبان من أنصار المذهب الجديد لقال أدباء المذهب القديم للناس: انظروا إلى خصائص المذهب الجديد كيف يستبيح المجون في حضرة كبار رجال الدولة والذين ينوبون عن المقام السامي! أما والذين نظموه لم يكونوا من أدباء المذهب