قاتم تتدلى في سمائه الغيوم الباكية، ولاح لي شعاع من ذلك الأفق الممتد وراء الأردن فرقصت طربًا وخلت أنه النور الذي سيهديني، ولكني ما لبثت أن أدرك أنه برق بدأ لحظة ثم أختفي وتلته رعود قاصفة تنذر بدنو العاصفة، فحولت بصري عن الشرق وأخذت أجيله في الجهات الأخرى عساي أحظى بضالتي المنشودة. إلا أني ما رأيت سوى القتلى في كل مكان قد صُرع كل واحد منهم بسهام ثلاثة خرجت من أقواس لثلاثة صيادين: أولهم صوبها بنفسه معتمدًا على مهارته معتزًا؛ بقوته والثاني ضعيف لم يقو على شد القوس فأستأجر بدراهمه الكثيرة من يقوم مقامه من الرماة الماهرين؛ أما الثالث فقد كان يسعى ويجد حتى لا يخطئ قلب أخيه المغدور، يفعل ذلك طمعًا في اكتساب رضاء الأول والحصول على دراهم الثاني، فعريت صدري للسهام المتناثرة كي يصيبني أحدها فيضع حدًا لحياة قد فقدت معناها وضلت هدفها إلا أن السهام أخطأتني ولم تفرج كربتي فغادرت الطور شقيًا هائمًا على وجهي
وقد انتقلت إلى جنة الله على الأرض وأطلقت روحي في الهواء فصاحت الطير وحلقت معه في الفضاء الواسع بين الجبل الأشم والسهل الخصيب، تغرد معه على الأغصان، وتصغي معه إلى قيثارة الغدير. ولما عادت هذه الروح إلى جسدي أنبأتني بما فهمته من الطير والغصن والغدير؛ فقالت: إن الطير تبكي ولا تغرد، وإن الغصن قد قوسته الأحزان، وأن الغدير يرسل زفرة الكليم، وذلك لأن هذه المخلوقات قد أرسلها خالقها هدية إلى قوم لم يقدروا قيمتها ولم يفهموا معناها، إذ أنهم استعاضوا عن المهدي وهديته بأصنام من صنعهم شيدوا لها الهياكل والمعابد وراحوا يحرقون أمامها البخور ويقدمون لها الضحايا؛ فلو عاد محمد صلى الله عليه وسلم نفسه لتحطيمها للاقى منهم ما لاقاه من قريش. فقلت: يا للمصيبة، وغادرت الديار غير آسف وتوجهت نحو الصحراء الشرقية يدفعني الألم مما خلفت ورائي والأمل بما استقبلت أمامي.
وقد جلست في قارب صغير وهمست في أذن النهر العظيم قائلًا: (أنك تحمل في طياتك تجارب آلاف السنين، وأخبار مئات الأقوام، وقد مَرْ فرعاك بأقصى البلاد وأدناها فبالله حدثني) فلم أحظ منه بجواب لأنه كان نائمًا فرفعت صوتي وكررت الطلب ففتح إحدى عينيه ثم الأخرى ثم تثاءب وأعقب ذلك ضحكة أهتز لها صدره حتى كاد قاربي ينقلب ثم