قال: (إني لمرتاح، وإني لمسرور كما ترى. فقد مرت عشرات السنين وأنا أشقُ طريقي إلى البحر بكل حرية فلا يعترضني أحد ولا يُنقص من مادتي شيئًا) فثرت على هذا الكسل وصحت: (ولكن هذه الحرية المزعومة إن أرضتك فقد أشقت التربة الصالحة وقلبتها صحراء قاحلة حتى مدَّ الجوع يده إلى ألف ألف بيت) . فضحك مرة أخرى وقال: (رويدك يا صاح! وما شأني أنا؟ ولِمَ تلومني؟ نعم أنا مرتاح إلى هذه النتيجة إلا أني لم أكن سببًا في وقوعها. . .) ثم أغمض عينيه وعاد إلى سباته العميق وتركني وحيدًا وسط الخضم أنادي فلا أجد من يلبي وأصيح فلا أسمع سوى صدى صيحتي الضائعة.
ولما خاب كل أمل لي في النجاة وأيقنت أني سأبقى تائهًا في الصحراء بلا دليل، وغارقًا في اللجة بلا منقذ، وضالًا في الظلام بلا نور هادي، ولما تسرب اليأس إلى قلبي فإذا بي أرى العاصفة قد سكنت، وإذا بيد بيضاء تمتد لانتشالي، وإذا بالشمس الضاحكة تضيء ما حولي، وإذا بحياتي قد ملئ فراغها بالأمل لأن نفسي قد اهتدت أخيرًا إلى الطريق الذي يوصلها إلى الغاية. فمن هو هذا المحسن العظيم الذي فعل ما عجز عنه غيره؟ من هو هذا الإنسان الذي استطاع أن ينفخ في قلبي القانط روح الأمل ببني الإنسان؟ وما الذي قام به هذا الشخص حتى أعاد لنفسي شيئًا من ثقتها بالبشر؟
إنه طالب عراقي فقير أصغر مني سنًا وأقل علمًا، ولكنه مع ذلك قد لقنني - وهو التلميذ وأنا الأستاذ - درسًا بليغًا في الخلق السامي والتضحية النادرة.
تعاقب خطباء المدرسة على المنبر فهزوه هزًا وبُحَّت حناجرهم وكلهم ينادي (فلسطين! فلسطين!) واحمرت الأكف من التصفيق وهي تقول بلغتها العجيبة (لبيك! لبيك!) ثم انقضى دور الدعاية والكلام وحل محله دور العمل والإغاثة الفعلية فاشتد الحماس وجاء الطلاب الريفيون الفقراء بالمال إعانة لمنكوبي فلسطين وبذلوا بذلًا وقف دونه من هو أوفر منهم مالًا. وفي وسط هذا الحشد الثائر جلس الطالب حكمة عبد العزيز يفكر؛ فإن قلبه مملوء أيمانًا بالله ونبيه أولًا، ثم بلزوم إعانة فلسطين وهو لا يملك فلسًا فما العمل؟ ولكنه تردُّدُ لحظة لا أكثر اندفع على أثرها إلى المنبر وأخذ ينزع ملابسه حتى عرى جسده إلا مما يستر عورته وهو يعلن بصوت خرج من أعماق قلبه أنه لا يملك ما يتبرع به غير هذه الملابس (وأنا أعلم - والله يشهد - أنه معوز) فلتبع على قِدَمِها وليخصص ثمنها لإغاثة