من التقدم في سبيل الحياة، كل ذلك يتضافر على إحداث طبقات مستقلة متفرقة وتوسيع شقة الخلاف والتفريق. على أن في إمكان أرباب السياسة والتشريع أن يدفعوا شيئًا من هذه الغوائل، كما أن على أهل المساعي الخيرية القيام بشيء من هذا الغرض النبيل. إلا أن العامل الأكبر الأصيل في هذا السبيل هو النظام المدرسي الشامل للامة جمعاء) ثم يقول: (لا يجوز أن تكون تفرقة بين أنظمة المدارس، فلا ينبغي وجود نظام لأبناء الموسرين، وآخر لأولاد العاملين بالأجور، فإن الفصل المادي بين الفريقين بسبب هذا التنظيم لا يتفق مع ترقية روح الإخاء المتبادل)
ثانيًا: عزلة المدرسة
المدرسة المصرية معزولة عن بيئتها عزلًا تمامًا، فترى التلاميذ يدخلونها فينقطعون عن كل ما يحيط بهم من الأعمال، كما نرى المدرس أو ناظر المدرسة خصوصًا في الأقاليم يترفع عن الشعب الذي يزود المدرسة بأبنائه، ويحاول الابتعاد عن أولئك الفلاحين كأنهم من طينة أخرى غير طينته، لانه يعتبر نفسه موظف حكومة كمأمور المركز، عليه أن يحتفظ بينهم بمكانته وعلو مركزه كما يتوهم، وبذلك لا يختلط بهم، ولا يمكنه أن يعرف الأحوال الحقيقية لأبنائهم الذين بالمدرسة، ولا يستطيع أن يتعاون معهم التعاون الفعال على إصلاحهم بمعرفة نقط الضعف المختلفة في تكوينهم. ثم إن التلميذ يرسخ في ذهنه الاعتقاد بأن المدرسة لا صلة لها بالحياة وما يجري فيها من زراعة أو صناعة أو تجارة أو أعمال، وبأنه إنما يجيء إليها ليقضي جزءًا من وقته فيها لغير ما غرض واضح في ذهنه، اللهم إلا إعداده لأن يكون موظفًا حكوميًا ولذلك يندفع في الابتعاد عن كل ما يمت إلى الحياة العلمية بسبب، حتى إن بعض التلاميذ يتعجب عندما يعلم إن المياه التي يشربها والتي تصل إلى منزله عن طريق الأنابيب أو عن طريق الترع والقنوات، ما هي إلا من مياه نهر النيل الذي يرسمه في علم الجغرافيا، فما بالك بعد هذا إذا خرج يسعى إلى الكسب في الحياة العامة؟ إنه لا شك يكون كالأعمى أو كالذي يذهب إلى ديار مجهولة لا يعلم عن أهلها وعن أعمالهم شيئًا، فيحار في أمره ويرتبك في حياته ولا يدري ما يعمل ليكسب قوته. وهذا في الحقيقة هو السبب الأساسي في خلق المتعطلين وقعودهم عن العمل لجهلهم بأحوال بيئتهم وما يحيط بهم من ظروف وأعمال. ولو أن المدرسة لم تفصلهم انفصالًا تامًا عن المزارع