و"إنَّ": حرفُ جوابٍ، بمعنى:"نَعَمْ"، يقال لك:"هل جاءَ زُهَيرٌ؟"فتقولُ:"إنَّهُ"، قال الشاعر:
*بَكَرَ العَواذلُ، في الصَّبُو * حِ، يَلُمْنَني وَأَلومُهُنَّهْ*
*وَيَقُلْنَ: شَيْبٌ قَدْ عَلاَ * كَ، وَقَدْ كَبِرْتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ*
والهاءُ، التي تلحقه، هي هاءُ السَّكت، التي تُزادُ في الوقف، لا هاءُ الضمير ولو كانت هاءَ الضمير لثبتت في الوصل، كما تثبتُ في الوقف. وليس الأمرُ كذلك، لأنك تحذفها إن وصلتَ، يقال لك:"هل رجعَ أُسامةُ؟"فتقولُ:"إنّ"يا هذا، أي: نعم، يا هذا قد رجع. وأيضًا قد يكون الكلام على الخطاب أو التكلم، والهاءُ هذه على حالها، نحو:"هل رجعتم؟"، فتقولُ:"إنَّهُ"، وتقولُ:"هل نمشي؟"فتقول:"إنَّهْ". ولو كانت هذه الهاءُ هاءَ الضمير، وهي للغيبة، لكان الكلامُ فاسدًا.
و"إنَّ"، الجوابيّةُ هذه، منقولةٌ عن"إنَّ"المؤكدة، التي تنصبُ الاسمَ وترفع الخبر، لأن الجوابَ تصديقٌ وتحقيق، وهما والتأكيد من باب واحد.
و"لا وكَلاَّ": تكونانِ لنفي الجواب. وتُفيدُ"كَلاَّ"، مع النفي، رَدعَ المُخاطبِ وزجرَهُ. تقولُ لِمنْ يُزَيَّنُ لك السوء ويُغريكَ بإتيانهِ:"كَلاَّ"، أي: لا أُجيبُكَ إلى ذلك، فارتدعْ عن طلبك.
وقد تكونُ"كَلاَّ"بمعنى:"حَقًا"، كقولهِ تعالى:"كلاَّ، إنَّ الإنسانَ لَيَطغى أنْ رآه استغنى".
3 -حرفا التفسير
وهُما:"أيْ وأن". وهُما موضوعانِ لتفسيرِ ما قبلهما، غيرَ أنَّ"أيْ"تُفسَّرُ بها المُفرداتُ، نحو:"رأيتُ ليثًا، أي: أسدًا"، والجُمَلُ، كقول الشاعر:
*وَتَرْمينَني بالطَّرْفِ، أَيْ، أَنتَ مُذْنِبٌ * وَتَقْلينني، لكِنَّ إِيَّاكِ لا أَقلي*
وأمّا"أنْ"فتختصُّ بتفسير الجُمَلِ. وهي تقعُ بينَ جملتينِ، تتضمَّنُ الأولى منهما معنى القولِ دونَ أحرفهِ، كقوله تعالى: {فأوحينا إليه، ان اصنَعِ الفُلكَ} ، ونحو:"كتبتُ إليه، أنِ تحضرْ".
4 -أحرُفُ الشَّرْطِ
وهي:"إنْ وإذْ ما"الجازمتانِ، و"لَوْ ولولا ولوما وأمّا ولمَّا". و"لَوْ"على نوعين:
1 -أن تكونَ حرفَ شرطٍ لِمَا مضى، فتُفيدُ امتناعَ شيءٍ لامتناعِ غيرهِ: وتُسمّى حرفَ امتناع لامتناع، أو حرفًا لِما كانَ سيقعُ لوقوعِ غيره. فإن قلتَ:"لو جئتَ لأكرمتُكَ"، فالمعنى: قد امتنعَ إكرامي إياكَ لامتناع مجيئك، لأنَّ الإكرامَ مشروطٌ بالمجيءِ ومُعلَّقٌ عليه. ولا يَليها إلا الفعلُ الماضي صيغةً وزمانًا، كقوله تعالى: {ولو شاءَ رَبُّكَ لجعلَ الناس أُمةً واحدةً} .
2 -أن تكونَ حرفَ شرطٍ للمستقبل، بمعنى"إنْ". وهي حينئذٍ لا تُفيدُ الامتناع، وإنما تكون لمجرَّد ربطِ الجوابِ بالشرط، كإنْ، إلاّ أنها غيرُ جازمةٍ مثلَها، فلا عملَ لها، والأكثرُ أن يَليها فعلٌ مُستقبلٌ معنًى لا صيغةً، كقوله تعالى: {وليَخشَ الذينَ لو تركوا من خلفهم ذُرِّيَّةً ضعافًا خافوا عليهم} ، أي:"إنْ يَتركوا"وقد يَليها فعلٌ مستقبلٌ معنًى وصيغةً:"لو تزورُنا لسُرِرنا بِلقائكَ"، أي:"إن تَزُرْنا".
وتحتاجُ"لو"بنوعيها إلى جواب، كجميع أجواتِ الشرطِ. ويجوزُ في جوابها أن يقترنَ باللام، كقوله تعالى: {لو كانَ فيهما آلهةٌ إلا اللهُ لفَسدَتا} ، وأن يتجرَّدَ منها، كقوله تعالى: {ولو نشاءُ جعلناهُ أُجاجًا} ، وقولهِ:"ولو شاءَ رَبُّكَ ما فعَلوهُ". إلا أن يكون مضارعًا منفيًّا، فلا يجوزَ اقترانهُ بها، نحو:"لو اجتهدتَ لم تَندَم".
و"لولا ولوما"، حرفا شرطٍ بَدلانِ على امتناعِ شيءٍ لوُجودِ غيرهِ. فإن قلتَ:"لولا رحمةُ اللهِ لَهلَكَ الناسُ"و"لَوما الكتابةُ لَضاعَ أكثرُ العلمِ"، فالمعنى أنهُ امتنعَ هَلاكُ الناسِ لوجودِ رحمةِ اللهِ تعالى، وامتنعَ ضياعُ أكثرِ العلم لوجود الكتابةِ.
وهما تَلزَمانِ الدخولَ على المبتدأ والخبر، كما رأيتَ. غيرَ أَنَّ الخبرَ بعدهما يُحذَفُ وجوبًا في أكثرِ التراكيبِ. والتقديرُ:"لولا رحمةُ اللهِ حاصلةٌ أو موجودةٌ"و"لولا الكتابة حاصلة أو موجودة".
وتحتاجانِ إلى جوابٍ، كما تحتاجُ إليه"لو". وحكمُ جوابهما كحكم جوابها، فيقترنُ باللام، كما رأيتَ، أو يُجرَّدُ منها، نحو:"لولا كرمُ أخلاقِكَ ما عَلَوَتَ"، ويمتنعُ من اللام في نحو:
(يُتْبَعُ)