فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 509

إنّ الوجود المادّي للنصّ يمكن إعادة إنتاجه في أوقات مختلفة، وحتّى أسلوب المؤلّف يمكن اعتباره أحيانا عنصرا محيّدا لا يربط النصّ بظروف إنتاجه، وإذن فما المرجع

الذي يتمّ قراءة النصّ من خلاله؟ إنّ الحديث (الخطاب المباشر) تعدّ ظروفه المحيطة هي المرجع فيه، حيث يكون المتحدّثون حاضرين وملمّين بظروف الجلسة التي تمّ فيها الخطاب بكلّ ما فيها من محيطات إدراكيّة أو ما يكمن خلفها من خلفيّات ثقافيّة للمتحدّثين. إنّ اللّغة وكلّ المؤشّرات الظاهريّة تربط الخطاب (الحديث) بالحقيقة الظرفيّة الملامسة له. أمّا في حالة النصّ (الكتاب أو القرص) فإنّ القراءة حينئذ تقوم بمهمّة تحقيق المرجعيّة، وفي هذه الحالة يفترض النّقاد أنّ النصّ يكون خارج العالم في الهواء، وعن طريق إلغاء علاقة النصّ بالعالم تصبح الطرق مفتوحة لدى هذا النصّ للدخول في علاقات مع النصوص الأخرى جميعها، وهذا بدوره يأخذ محلّ الحقيقة الظرفيّة التي يوضحها الحديث المباشر ويطلق (سعيد) على الحقيقة الظرفيّة اسم (دنيويّة النصّ) .

ويعرض سعيد وجهة نظر (بول ريكور) من أنّ النّص يكون خارج الحقيقة الظرفيّة، ويبقى كذلك حتّى يقوم الناقد باسترجاعها، ويفترض أنّ رأس الناقد أو المفسّر يجب أنّ يكون بدون دنيويّة (أي غير خاضع للحقيقة الظرفيّة) وبذا يجعل ريكور الحقيقة الظرفية ملاصقة فقط للحديث المباشر، أو لما أراد الكتّاب قوله لو لم يختاروا أن يكتبوه ويحوّلوه إلى نصّ. أمّا إدوارد سعيد فينفي هذا القول لريكور، ويرفض أن يكون النقّاد مجرّد مترجمين كيميائيّين يقومون بترجمة النصوص إلى حقيقة ظرفيّة أو دنيويّة، فهم أيضا معرّضون ومنتجون للظروف. إنّ النصوص لديها الطرق للكينونة التي تجعل الناقد يقع في شباك الظرفيّة (الزمان والمكان والمجتمع) مهما كانت أساليبه نقيّة (موضوعيّة) . إنّ النقّاد دنيويّون طالما أنّ النصّ موجود في العالم. إنّ معظم النّقاد يستسلمون للفكرة القائلة بأنّ النصّ الأدبي مثقل بمناسبته، وبالتجارب التي انبثق منها. ولذا فنراهم يدعون إلى ما يعرف ب (النصّ المستقلّ) مثل ريفاتير، ويقصدون بالنصّ المستقلّ النّص بمعزل عن أيّ ظرف أو حقيقة دنيويّة.

ومن ثمّ يطرح (سعيد) سؤاله الهامّ: ألا توجد وسيلة للتعامل مع النصّ وظروفه الدنيويّة بطريقة عادلة؟ أمّا من وسيلة للتعامل مع مشكلات اللّغة الأدبيّة إلّا

بقطعها عن اللغة الدنيوية الملحّة التي نواجهها كلّ يوم؟ وللإجابة على هذا السؤال المحور يعرض (إدوارد سعيد) عددا من المناهج والأمثلة، ويعرض رؤاها للنصّ وعلاقته بالحقيقة الظرفيّة، وفي البداية نراه يعرض جهد المدرسة الظاهريّة في الأندلس وعلى رأسها ابن حزم وابن مضاء القرطبي. إنّ الفكر الظاهريّ يقوم على أنّ الكلمات لها معنى ظاهريّ فقط مرتبط باستخدام معيّن (ظرفي تاريخي وديني) وقد هاجم الظاهريّون التأويل الباطنيّ للنصوص الذي يذهب إلى أنّ اللّغة تختفي داخل الكلمات، وأن التفسير يكمن في باطن النصّ ويرى سعيد أنّ أساس الخصام بين هذين الفريقين قديم ومنبثق من نظرة الأجيال المختلفة إلى القرآن باعتباره نصّا إلهيّا. وفي الوقت الذي يسير فيه التأويل الباطني بالكلمات إلى مستوى مخفيّ تحت هذه الكلمات بحيث يصبح كلّ شيء مسموحا للتفسير، أو لن يكون هناك معنى دقيق أو سيطرة على ما تقوله الكلمات، أو حتى أيّ مسئوليّة تجاه الكلمات، فإنّ الظاهريّة يتركّز جهدها على استعادة نظام لقراءة النصّ حيث يوجّه الاهتمام إلى ظاهر الكلمات نفسها، إلى ما يمكن اعتباره معناها النهائي الذي صدر في مناسبة معيّنة وليس المعاني الخفيّة التي قد تحتويها. وقد ذهبوا بعيدا في محاولتهم لإيجاد هذا النظام الذي يضع أكبر سيطرة ممكنة على القارئ وظروفه. = ومن المفيد أنّ نبيّن كيف نتج هذا الجدل عن كتاب مقدّس يستمدّ سلطته من كونه كلمة الله غير المخلوقة، التي نقلت مباشرة ومن طرف واحد إلى الرسول في وقت معيّن، إنّها كلمة الله إلى العالم. وهي كلمة تدخل التاريخ البشري باستمرار من خلال التاريخ وكجزء منه، ولذلك فقد أعطيت مكانة هامّة لما سمّاه (روجر ارنالدجز) = العوامل الإنسانيّة = في تلقّي ونقل وفهم نصّ كهذا = (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت