فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 509

(92)أسباب النزول تكشف عن آليّة النصّ في معالجة الواقع الاجتماعي

يأتي النصّ ليخاطب جمهورا من الناس في إطار ثقافتهم، وفي إطار منظومة حياتهم، ليصنع بعد ذلك ثقافة جديدة، ومنظومة جديدة، ويعالج الواقع الاجتماعي لأولئك المخاطبين معالجة تتّفق وخفايا هذا الواقع. فيترفّق حينا، ويشتدّ حينا، ويباشر حينا، ويتدرّج حينا آخر، ويعمّم حينا، ويخصّص حينا آخر، ويأتي الأمر مقتضبا أحيانا، ومفصّلا أحيانا أخرى.

إنّ (أسباب النزول) تكشف عن سرّ هذه المعالجات جميعا، ولعلّ جميع روايات النزول تصلح أن تكون مثلا على هذه النقطة من البحث، ولكنّنا سنختار هنا معالجة النصّ القرآني لمسألة (مال اليتامى) وآية (الإنفاق من الطيّبات) فأمّا مسألة (مال اليتامى) فهو قوله تعالى: {= وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتََامى ََ قُلْ إِصْلََاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخََالِطُوهُمْ فَإِخْوََانُكُمْ وَاللََّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شََاءَ اللََّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللََّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ =} [1] .

فتقرأ في سبب نزولها قول سعيد بن جبير: (لمّا نزلت {= إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوََالَ الْيَتََامى ََ ظُلْمًا =} ، عزلوا أموالهم، فنزلت {= قُلْ إِصْلََاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ، وَإِنْ تُخََالِطُوهُمْ فَإِخْوََانُكُمْ =} فخلطوا أموالهم بأموالهم) [2] .

إنّ هذا التدرّج في التشريع، مع تشديد الخطاب في الآيات الأولى، ثم إباحة خلط أموال اليتامى بأموال كافليهم هو لأجل حفظ حقوق اليتيم. ولمّا تمّ الاطمئنان إلى سلامة ذلك جاء التخفيف بعد تركّز أهميّة التقوى في التعامل مع أموال الأيتام، ورفعا للحرج عن الأوصياء والكافلين، إذ توضّح رواية ابن عباس أنّ بعض أولئك الكفلاء لمّا نزلت الآية (ولا تقربوا مال اليتيم إلّا بالتي هي أحسن) سارع فعزل طعام اليتيم من طعامه، وشرابه من شرابه، وجعل يفضل الشيء من طعامه فيجلس له حتى يأكله أو يفسد، واشتدّ ذلك عليهم

(1) سورة البقرة، الآية 220.

(2) الواحدي، أسباب النزول، ص 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت