تعرّفنا على معنى النسخ في موضع سابق من هذا الكتاب، ونعرض هنا لمعالجة اثنين من علماء القرآن [9] لمسألة الناسخ والمنسوخ، والجوانب التي استعانوا فيها بأدوات الدرس السياقي لتمييز الآيات التي وقع فيها نسخ من تلك التي لم يقع بها. وهذان العالمان هما ابن الجوزي ومكّي بن أبي طالب، وذلك من خلال شواهد سورة البقرة، ومن هذه الشواهد قوله تعالى: {= إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هََادُوا وَالنَّصََارى ََ وَالصََّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صََالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلََا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلََا هُمْ يَحْزَنُونَ =} [1] . قيل إنّها نسخت بقوله تعالى: {= وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلََامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ =} [2] . ويرى ابن الجوزي أنّ هذا النسخ لا يصحّ لوجهين: = أمّا الوجه الأوّل فإنّه إن أشير بهذه الآية لمن كان تابعا لنبيّه قبل بعثة النبيّ الآخر فأولئك على الصواب، وإن أشير إلى من كان في زمن نبيّنا محمّد فإنّ من ضرورة من لم يبدّل دينه ولم يحرّف أن يؤمن بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم يتبعه، وأمّا الثّاني فإنّ هذه الآية خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ = [3] . وإذن فقد اتكّأ ابن الجوزي على ثلاثة من عناصر الرسالة اللّغوية لينفي وقوع النسخ، وأمّا العنصر الأوّل فهو المخاطب (من كان قبل البعثة أو بعدها) ، والثاني عنصر الأسلوب والصياغة اللّغوية، والثالث هو زمن الخطاب، وكلّها عناصر متّصلة بالسياق.
(9) كتب الناسخ والمنسوخ تذكر الروايات نفسها في الغالب، وتم اختيار المصدرين أعلاه لوضوح اللغة والمعالجة فيهما لهذا المبحث من مباحث علوم القرآن.
(1) سورة البقرة، الآية 62.
(2) سورة آل عمران، الآية (85) .
(3) ابن الجوزي: الحافظ جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي القرشي البغدادي، نواسخ القرآن، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت / لبنان، 1985، ص 43.