فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 509

بقلم أ. د. نهاد الموسى أستاذ العربية واللسانيات العربية في كلية الآداب من الجامعة الأردنية

(1) يحكي الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد أن أبا عبيدة قال: أرسل إليّ الفضل بن الربيع إلى البصرة في الخروج إليه سنة ثمان وثمانين ومائة، فقدمت عليه، وكنت أخبر عن تجبّره، فأذن لي فدخلت وهو في مجلس له طويل عريض فيه بساط واحد قد ملأه وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسيّ وهو جالس عليها، فسلّمت عليه بالوزارة، فردّ وضحك إليّ واستدناني حتى جلست معه على فرشه، ثم سألني وألطفني وباسطني. وقال: أنشدني، فأنشدته من عيون أشعار أحفظها جاهلية. فقال لي: قد عرفت أكثر هذه، وأريد من ملح الشعر فأنشدته فطرب وضحك وزاد نشاطه. ثم دخل رجل في زيّ الكتّاب له هيئة فأجلسه إلى جانبي، وقال له: أتعرف هذا؟ قال: لا. قال:

هذا أبو عبيدة علّامة أهل البصرة أقدمناه لنستفيد من علمه فدعا له الرجل وقرّظه لفعله هذا. وقال لي: إنّي كنت إليك مشتاقا، وقد كنت سئلت عن مسألة أفتأذن لي أن أعرّفك إياها؟ قلت: هات. قال: قال الله تعالى: { (طَلْعُهََا كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّيََاطِينِ) } وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف مثله وهذا لم يعرف. فقلت: إنّما كلّم الله العرب على قدر كلامهم، أما سمعت قول امرئ القيس:

أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال

وهم لم يروا الغول قطّ، ولكنّه لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به فاستحسن الفضل ذلك واستحسنه السائل. واعتقدت من ذلك اليوم أن أضع كتابا في القرآن لمثل هذا وأشباهه ولما يحتاج إليه من علمه فلمّا رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته المجاز

(2) قام مجاز القرآن لأبي عبيدة، إذن، على ملحظ منهجي مؤدّاه أن الخطاب القرآني نزل على سنن العرب في كلامها، وهكذا أصبح كلام العرب وسننهم فيه مدخلا إلى = قراءة = النصّ القرآني، وسبيل الناس إلى تلقّي الخطاب الذي أنزله ربّ الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت