المختلفين تركيبا في الدلالة أمر ممتنع عقلا، حتى بالدلالات الوضعيّة فضلا عن الدلالات العقليّة، وهو في ذلك يطبّق مقولة الحال والمقام على مستوى الموقف الاجتماعي، أو على مستوى الصياغة وما بين جزئياتها من علاقات.
ويعدّ مبحث الالتفات من المباحث التي تصل بين المخاطب والمخاطب، وله صلة بتنويع الأسلوب بحسب السياق، فهذا الزمخشري يلحظ أنّ العدول من أسلوب إلى أسلوب في الالتفات فيه = إيقاظ للسامع وتطرية له بنقله من خطاب إلى خطاب تنشيطا له في الاستماع = [1] .
يعدّ (الفصل والوصل) من مظاهر اتّساق النصّ وانسجامه. وهي ظاهرة ذات إمكانات أسلوبيّة كبيرة لاعتمادها على الأدوات الرابطة التي يطلق عليها (حروف المعاني) . والتي تجاوز بها البلاغيون ما تؤدّيه من وظيفة نحويّة إلى أمور وراء ذلك تتّصل بالمقام والسياق. وذلك من خلال قدرتها (الظاهرة) على الربط بين الجمل والمفردات، ولم يقتصر الأمر على حروف العطف وحدها، بل إنّ ابن الأثير والعلوي قد مدّا هذا المبحث إلى الحروف الجارّة باعتبار قدرتها على وصل الكلام وأنّ لها معاني تخرج بها عن عملها النحوي، وأنّ هذه المعاني لا تكتسب وجودها من الدلالة المعجميّة وإنّما من السياق الوظيفي فمعنى هذه الحروف هي وظيفتها في آن واحد، ومن هنا كانت عمليّة العدول بين هذه الأحرف ذات تأثير بالغ في الدلالة، وكذلك عمليّة التناوب بينها كما في العطف الوارد في قوله تعالى {= * إِنَّمَا الصَّدَقََاتُ لِلْفُقَرََاءِ وَالْمَسََاكِينِ وَالْعََامِلِينَ عَلَيْهََا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقََابِ وَالْغََارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللََّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ =} [2] . عدل عن اللام إلى
(1) الزمخشري، الكشاف، 1/ 278.
(2) سورة التوبة، آية (60) .