فهرس الكتاب

الصفحة 362 من 509

ويلجأ المعربون في تقدير المحذوف إلى السياق القرآني كلّه لإدراكهم أنّ القرآن كلّه كالكلمة الواحدة، وقد يكون هذا السياق من السورة نفسها في موضع يسبق أو يلي موضع الحذف، أو في سور أخرى من القرآن الكريم. إنّ العمل التأويلي الذي يقوم به النحوي وهو يقدّر المحذوف، يشبه إلى حدّ بعيد عمليّة الاستدلال والتأويل التي افترضتها جماعة تحليل الخطاب، الذين يربطون موضع التحليل بالخطابات السابقة وبالزمان والعلاقات التي تمسّ الخطاب، والذين يعتمد عملهم في التأويل على ملء الفراغات أو التقطيعات في الخطاب. واعتمد النحاة على هذا كلّه في تحليل الخطاب كما أنّهم جعلوا سنن العرب في الحذف والإضمار أصلا ماثلا في التعامل مع مواضع الحذف في السورة الكريمة. ويوشك (علم السامع) أن يكون مسوّغا ثابتا للحذف عندهم كما أنّهم ربطوا بين الحذف كأثر خطيّ في الخطاب وغرض النصّ باعتباره من عناصر السياق.

تنبّه معربو القرآن إلى حروف العطف في السورة الكريمة، ومتى يقصد بها العطف ومتى لا يقصد بها ذلك، ودور السياق في تحليل هذه المواضع ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: = ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين = في الآية الثامنة من سورة البقرة،، وقال أبو البقاء العكبري فيها: {= (وَمِنَ النََّاسِ) =} الواو دخلت هنا للعطف على قوله {= الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ =} . وذلك أنّ هذه الآيات استوعبت أقسام الناس فالآيات الأول تضمّنت ذكر المخلصين في الإيمان وقوله { (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) } تضمّن ذكر من أظهر الكفر، وأبطنه، وهذه الآية تضمّنت ذكر من أظهر الإيمان وأبطن الكفر، فمن هنا دخلت (الواو) لتبيّن أنّ المذكورين من تتمّة الكلام الأوّل [1] . إنّ النحويّ هنا يقرّر أنّ (الواو) للعطف ابتداء، وحيث أنّه يرى العطف فيه علاقة ترتيب أو اشتراك في الحكم فإنّه يبحث

(1) العكبري: أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري (ت 616هـ) ، التبيان في علوم القرآن، تحقيق علي محمد البجاوي، ط 2، دار الجيل، بيروت / لبنان، 1982، ص: 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت