ونقصد به هنا تلك البنية الدلاليّة التي تصبّ فيها مجموعة من الآيات بتضافر مستمر عبر متواليات قد تطول أو تقصر، وحسب ما يتطلّبه الخطاب من إيجاز أو إطناب أو شرح أو، ويعبّر المفسّرون عن موضوع الخطاب من خلال تحليلاتهم وتفسيراتهم التي تكشف عن وجود هذا المفهوم في أذهانهم وهم يمارسون التفسير، وللتدليل على أنّ المفسّرين كانوا على وعي بانتظام الخطاب في موضوعات نقدّم هنا بعض المقتطفات.
يقول الرازي: = اعلم أنّه سبحانه وتعالى لما تكلّم في دلائل التوحيد والنبوّة والمعاد إلى هذا الموضع (أي الآية 27) ، فمن هذا الموضع الآية (28) إلى قوله (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم = أخذ في شرح النعم التي عمّت جميع المكلّفين وهي أربعة = [1] . وهذا يعني أنّ الرازي كان يتصوّر النصّ القرآني موضوعات خطابيّة مرتّبة بطريقة مقصودة فمن هذا النصّ يمكن استخراج موضوعين خطابيّين تتمحور حولهما الآيات. وهما: دلائل التوحيد والنبوّة والمعاد(الآيات من 271) ، والثاني من (28 39) وهو النعم العامّة لسائر المكلّفين. بل إنّ الرازي يلحّ من خلال تذكيره المستمر على أنّ الآيات منظّمة في مواضيع خطابيّة، وذلك حين ينتهي من تفسير ما تعلّق بهذا الموضوع أو ذاك مشيرا إلى الموضوع اللاحق يقول مثلا: = اعلم أنّه سبحانه وتعالى لمّا أقام دلائل التوحيد والنبوّة والمعاد أولا ثم عقّبها بذكر الإنعامات العامّة لكلّ البشر، عقّبها بذكر الإنعامات الخاصّة على أسلاف اليهود، وإذ قد حقّقنا هذه المقدّمة فلنتكلّم في التفسير بعون الله = [2] . بل إنّه يستخدم عبارة واضحة الدلالة على مصطلح موضوع الخطاب، فيضع عنوانا جانبيّا خلال شرحه لهذه الآيات هو = القول في إقامة الدلالة على التوحيد والنبوّة والمعاد = ويذكر الموضوع الرئيسي، وموضوعاته الفرعيّة، فمثلا في
(1) تفسير الرازي، 3/ 30.
(2) نفسه، 3/ 30.