ناتج عن تآلف الإشارات كما أنّ معاني هذه الإشارات هي من صنع السياق، فهو يقيم ألفة بين المتباعدات ويصنع من ذلك سياقا مؤتلفا، والكتابة أو النّص هو الذي يعطي لهذه المتباعدات معنى واحدا هو المعنى السياقي.
ويربط الجرجاني (النظم) بالتصرّف بمعاني النحو، وليس معنى التصرّف بمعاني النحو مطابقة الكلم للقواعد، والتحرّز من اللحن، أو زيغ الإعراب، وإنّما يلجأ الناظم أو الناثر للتقديم والتأخير والتعريف والتنكير أو الاستئناف، وما شابه ذلك بطريقة ناتجة عن إعمال الرويّة والفكر لتلائم هذه الأساليب، وهذا المعنى، وهنا قد يلتبس الأمر على الناس فيظنّون أنّ المزيّة في الألفاظ أو الاستعارات أو، وإنّما تكون المزيّة في السياق الذي وضعت فيه، فعناصر اللّغة كلّها عند الجرجاني بما فيها من مفردات أو قواعد، أو نحو أو مجاز واستعارة لا قيمة لها في ذاتها، وإنّما تستمدّ قيمتها من السياق.
= إنّ القصيدة تقع في مكان ما بين الكاتب والقارئ =. إليوت
يبرز دور المتلقّي أو السامع واضحا في كتابات البلاغيّين العرب، فالخطيب يجب أن يعرف الأحوال النفسيّة للسامعين حتى يجعل خطبته مؤثّرة فيهم. وكأنّهم يوجبون على الخطيب المعرفة الدقيقة بعلم النفس، حتى يستطيع المطابقة بينهم وبين كلامه والموضوع الذي يتحدّث فيه. وقد فاق اهتمامهم بالمخاطب أيّ اهتمام آخر فالمتكلّم مثلا لم يظفر بمثل هذا الاهتمام باعتبار أنّ البلاغة مراعاة لمقتضى الحال.
والحال عندهم هي حال المخاطب لا المتكلّم، لأن ليس من المتصوّر عقلا ودينا أن يتناول هؤلاء المنظّرون القرآن باعتبار مصدره ولذا اتّجهت مباحثهم إلى ناحية المتلقّي، ومحاولة ربط الأسلوب بظروفه الاجتماعيّة والدينيّة، ومن هذا المنطلق رفض القدماء كثيرا من المطالع الشعريّة لأنّها لم تتوافق مع طبيعة المتلقّي ومن ذلك قول الأخطل لعبد الملك بن مروان:
خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا