لاحظ البلاغيّون منذ القديم ظاهرة السياق من خلال مقولتهم الدقيقة = لكلّ مقام مقال =، فانطلقوا في مباحثهم من فكرة ربط الصياغة بالسياق، وأصبح مقياس الكلام في باب الحسن والقبول بحسب مناسبة الكلام لما يليق به، أي (مقتضى الحال) . = فإن كان مقتضى الحال إطلاق الحكم فحسن الكلام تجريده من مؤكّدات الحكم، وإن كان مقتضى الحال بخلاف ذلك فحسن الحكم تحلّيه بشيء من ذلك بحسب المقتضى ضعفا وقوّة، وإن كان مقتضى الحال طيّ ذكر المسند إليه فحسن الكلام تركه، وإن كان المقتضى إثباته على وجه من الوجوه، فحسن الكلام وروده عاريا عن ذكره، وإن كان المقتضى إثباته مخصّصا بشيء من التخصيصات فحسن الكلام نظمه على الوجوه المناسبة، من الاعتبارات المقدّم ذكرها، وكذا إن كان المقتضى عند انتظام الجملة مع أخرى فصلها أو وصلها، أو الإيجاز معها أو الإطناب فحسن الكلام تأليفه مطابقا لذلك = [1] .
إنّ السكّاكي قد جمع في هذه العبارات مقتضيات الأحوال أو السياقات التي ترد فيها أنواع الصياغة بما تحويه من خواص تركيبيّة في الجملة. وقريب من هذا ما قاله القزويني في الإيضاح = بلاغة الكلام هي مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته، ومقتضى الحال مختلف، ومقامات الكلام متفاوتة، فمقام التنكير مباين لمقام التعريف، ومقام الإطلاق مباين لمقام التقييد، ومقام التقديم مباين لمقام التأخير، ومقام الذكر مباين لمقام الحذف، ومقام الوصل لمقام الفصل وكذا خطاب الذكيّ مباين لخطاب الغبيّ = [2] . ويكشف نصّ القزويني عن علاقة النصّ بسياق الظرف وطبيعة الأحداث المرافقة للحدث الكلامي، وكذلك علاقة السياق بطرائق الكلام، وأسلوب الحديث، كما يكشف عن علاقة المستوى العقلي للمتكلّم بطبيعة الخطاب، ومستواه العقلي كذلك.
(1) السكّاكي: مفتاح العلوم، بيروت، دار الكتب العلميّة، د. ت، ص 73.
(2) الخطيب القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة، تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي، ط 5، دار الكتاب اللبناني / بيروت / 1980، ص 12.