فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 509

(62)أسباب النزول وهدف النصّ:

جاء النصّ القرآني = سورة البقرة = ليعالج واقعا اجتماعيّا معيّنا، جاء ليحدث تغييرا شاملا في هذا الواقع، وجاء ليغيّر المفاهيم أو ليصحّحها أحيانا، ويزرع مكان ذلك مفاهيم جديدة نابعة من جوهر الرسالة الكريمة. وتكشف أسباب النزول عن هدف النصّ وآليّاته، في تغيير الواقع الاجتماعي، والهدف كما نعلم من أبرز العناصر التي تنبّهت لها اللسانيات الاجتماعية في تحليل الرسالة اللّغويّة، فقد يكون الهدف هو التأثير، أو التغيير، أو إجابة تساؤل، أو توضيح الخ. ويتشكّل النصّ موافقا لهذا الهدف متفاعلا معه.

وأبرز أمثلة ذلك آيات تحويل القبلة، وما ورد فيها من أسباب نزول، أوردنا بعضها سابقا، ويرد بعضها الآخر في ملاحق الرسالة. وتصف هذه الأسباب حادثة التحويل بالتفاصيل الدقيقة، وكيف كانت أمنية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في تغيير القبلة، نظرا لسخرية اليهود ومع ذلك لم تتنزّل آيات التحويل إلّا بعد فترة زمنية أرادها الله اختبارا للمؤمنين واستجابتهم للوحي، وأيضا تسفيها لليهود ثمّ كيف كان أثر ذلك على المؤمنين قبل التحويل وبعده، وهو ما لن نكون قادرين على الإحاطة به لو قرأنا الآية {= قَدْ نَرى ََ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمََاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضََاهََا =} فلن نفهم لماذا يتقلّب وجه النبيّ، ولن نفهم رضاه عن قبلة دون غيرها مع أنّ النصّ يقول {= فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللََّهِ =}

إنّ هدف النصّ ماثل أشد المثول في سبب النزول. ومن هنا يصبح الواقع الاجتماعي مدخلا من مداخل قراءة النصّ باعتباره يزوّدك بمفتاح رئيسي هو مفتاح = هدف النصّ =.

ومن أمثلة ذلك الآية: {= وَقََالُوا اتَّخَذَ اللََّهُ وَلَدًا =} [1] ، نزلت في اليهود حيث قالوا: { (عُزَيْرٌ ابْنُ اللََّهِ) } ، وفي نصارى نجران حيث قالوا { (الْمَسِيحُ ابْنُ اللََّهِ) } ، وفي مشركي العرب قالوا: = الملائكة بنات الله = [2] . فهدف الآية هنا دحض هذه المقولات والعودة بالقوم

(1) سورة البقرة، الآية (116) .

(2) الواحدي، أسباب النزول، ص: 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت