إلى الله بعد الرحلة المعاشيّة للإنسان { (تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللََّهِ) } . وهو ربط ينمّ على تنبّههم لفكرة اتّساق زمن الخطاب مع مضمونه، وإنّ النصّ القرآني كلّ واحد متّصل منذ الآية الأولى حتى الآية النهائيّة. وهذا معنى قولهم إنّه كالكلمة الواحدة.
إنّ دراسة الظروف المحيطة بالنصّ تقتضي معرفة الوقائع التاريخيّة التي لازمت نزوله ورافقته، وهو ما سمّي لدى علماء القرآن باسم (أسباب النزول) ، وفيما يتعلّق بسورة البقرة فكثير من آياتها له سبب نزول، مع استحضار أنّ سورة البقرة هي أوّل سورة نزلت بعد هجرة المسلمين إلى المدينة، وما رافق هذه الهجرة من أحداث عظام. وسنلحق بهذه الدراسة ملحقا يضمّ أسباب النزول المتعلّقة بآيات سورة البقرة، ونكتفي هنا بتصنيف محاور هذه الأسباب، ووجهاتها، وآليات اتّصالها بالنصّ كما فهمناها من خلال النّصوص التي أوردها علماء القرآن.
(12) أسباب النزول تحدّد الواقع الاجتماعي الذي خاطبه النصّ
تكشف أسباب النزول عن حقيقة الواقع الاجتماعي الذي تصدّت سورة البقرة للحديث عنه وتصوير حقيقته، ومعظم أسباب النزول تشرح حقيقة التفاعل بين النصّ وهذا الواقع الاجتماعي. فالسورة الكريمة تحدّد مكوّنات المجتمع الإسلامي الوليد في المدينة المنوّرة، وحقيقة المعركة التي خاضتها الرسالة في أول أمرها، وأسباب النزول تشرح على وجه التحديد مواصفات تلك المعركة وأطرافها، فبعض نصوص أسباب النزول تحدّد أعداء الرسالة وهم: اليهود، والمنافقون، والمشركون (الذين كفروا) ، ومن ذلك ما رواه الضحّاك حول الآية السادسة من سورة البقرة {= إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لََا يُؤْمِنُونَ =} قال: نزلت في أبي جهل، وخمسة من أهل بيته = [1] . فنصّ الآية
(1) الواحدي، أسباب النزول، ص 12.