فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 509

(32)أسباب النزول تكشف عن أثر النصّ على المخاطبين

تكشف بعض نصوص (أسباب النزول) عن أثر الخطاب القرآني على المخاطبين وتفاعلهم معه وهو جزء ممّا تدرسه اللسانيات الاجتماعية في مشمولاتها. ومن ذلك ما نزل في سبب الآية (62) من سورة البقرة، وهي {= إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هََادُوا وَالنَّصََارى ََ وَالصََّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللََّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صََالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلََا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلََا هُمْ يَحْزَنُونَ =} فعن السدّي قال: = نزلت في أصحاب سلمان الفارسي لمّا قدم سلمان على رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) جعل يخبر عن عبادة أصحابه واجتهادهم وقال: يا رسول الله كانوا يصلّون ويصومون ويؤمنون بك، ويشهدون أنّك تبعث نبيّا، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال الرسول الكريم: يا سلمان هم من أهل النار، قال سلمان: فأظلمت عليّ الأرض، فنزلت = إنّ الذين آمنوا والذين هادوا إلى قوله (يحزنون) قال: فكأنّما كشف عني جبل = [1] . إنّ هذه الرواية تكشف عن المخاطب في حالين قبل تنزّل النصّ (فأظلمت علي الأرض) وبعد نزول النصّ (فكأنّما كشف عني جبل) وهو نموذج من نماذج تفاعل المخاطبين بالنصّ ومع النصّ، وهو كذلك يكشف عن تفسير مغاير لما يبدو عليه ظاهر الآية.

ومن هذا كذلك مجموعة النّصوص التي وردت حول آيات تحويل القبلة في السورة الكريمة، وأثر الحادث كلّه على رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) وتفاعل المؤمنين بهذا التحويل، وتفاعل اليهود مع هذه الحادثة وسخريتهم من هذا التحويل وفرح المؤمنين به، ثم تخوّف المؤمنين من مصير إخوانهم الذين ماتوا قبل تحويل القبلة وتنزّل الآيات لتشرح كلّ ذلك. فتصف الآيات حالة رسول الله إبّان نزول هذه الآيات ففي الآية {= قَدْ نَرى ََ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمََاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضََاهََا =} [2] . قال البراء: = لمّا نزلت هذه

(1) الواحدي، أسباب النزول، ص 13.

(2) سورة البقرة، الآية (144) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت