فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 509

المبحث الثالث العلاقة بين النصّ والسّياق في المساهمات العربيّة

نعرض في هذا المبحث المساهمات العربيّة في هذا المجال، وذلك في ميادين: النقد والبلاغة، واللّغة والنحو، وفي ميدان أصول الفقه والتفسير وعلوم القرآن، وقد اخترنا هذه الميادين لاهتمامها الواضح والظاهر بهذا الموضوع من جهة، ولصعوبة تتبّع هذا الموضوع في المساهمات العربيّة عموما وسيكون العرض انتقائيّا، وموجزا بقدر الإمكان، لأنّ الفصل الثاني سيكون حول العلاقة بين نصّ سورة البقرة وسياقها من خلال هذه المباحث. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ المساهمات العربيّة لا توجد على شكل نظريّة متكاملة في مؤلّفات متخصّصة، بل هي أجزاء من موضوعات أخرى متفرّقة في هذه الميادين، ولذلك فلا يتوقّع القارئ بحثا متصلا متدرّجا لنظريّة النصّ والسياق لدى العلماء العرب القدامى. وهذا ليس عيبا في دراساتهم. فقد تناولوا هذه المفردة ضمن موضوعات أخرى أكبركما سنلاحظ فيما سيأتي.

1 -نظرية العلاقة بين النص والسياق في ميدان اللّغة والنحو:

حين تصدّى النحاة لوصف الظواهر النحويّة ورسم حدود العربيّة، صدروا عن ملاحظة اطّراد الظواهر الذاتيّة للّغة في الأمثلة والشواهد، ومن ثمّ قعّدوا اللّغة في ميادين النحو والصرف والصوتيّات، وحاولوا تفسير هذه الظواهر عن طريق ملاحظة علاقة العناصر اللّغويّة باعتبار هيئاتها الشكليّة ومواقعها. كما أنّهم اعتدّوا المعنى ملحظا ضروريّا في استكمال التحليل وعمل المعربين، ولحظوا مستوى البنية الصرفيّة، ورصدوا علاقات التركيب بملاحظة ثابتة لطبيعة الصيغة في أبنية الكلم. وذلك أمر مذكور لأولئك النحاة.

ولكنّهم تجاوزوا فوق هذا في رسم معالم النظام اللّغوي حدود النصّ الذاتيّة. ومادّة العبارة الكلاميّة إلى محيط الحدث الكلامي أو السياق الخارجي، والمتغيّرات الخارجيّة التي تكتنف

مادّة الكلام واعتبروه أصلا في وصف الظاهرة اللغوية وتفسيرها (1) . وقد تناول الدكتور نهاد الموسى في بحثه الموسوم ب (الأعراف أو نحو اللسانيّات الاجتماعيّة في العربيّة) هذه المسألة بالتفصيل مستقريا عشرات الأمثلة على صدور النحاة العرب عن هذا الأصل. مع الإشارة إلى أنّنا إذا كنّا سنجهد أنفسنا في تحليل بعض النصوص للتدليل على صدق هذه المقولة، فإنّنا في نصوص عديدة لا نحتاج لمثل هذا الجهد كون النحاة قد قرّروا فيه صراحة صدورهم عن هذا الأصل، فحين يعرّف أولئك النحاة مثلا الكلام يقولون: = هو ما تحصل به الفائدة سواء كان لفظا، أو خطّا، أو إشارة، أو ما نطق به لسان الحال = (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت