ولكنّهم تجاوزوا فوق هذا في رسم معالم النظام اللّغوي حدود النصّ الذاتيّة. ومادّة العبارة الكلاميّة إلى محيط الحدث الكلامي أو السياق الخارجي، والمتغيّرات الخارجيّة التي تكتنف
مادّة الكلام واعتبروه أصلا في وصف الظاهرة اللغوية وتفسيرها [1] . وقد تناول الدكتور نهاد الموسى في بحثه الموسوم ب (الأعراف أو نحو اللسانيّات الاجتماعيّة في العربيّة) هذه المسألة بالتفصيل مستقريا عشرات الأمثلة على صدور النحاة العرب عن هذا الأصل. مع الإشارة إلى أنّنا إذا كنّا سنجهد أنفسنا في تحليل بعض النصوص للتدليل على صدق هذه المقولة، فإنّنا في نصوص عديدة لا نحتاج لمثل هذا الجهد كون النحاة قد قرّروا فيه صراحة صدورهم عن هذا الأصل، فحين يعرّف أولئك النحاة مثلا الكلام يقولون: = هو ما تحصل به الفائدة سواء كان لفظا، أو خطّا، أو إشارة، أو ما نطق به لسان الحال = [2] .
ومؤدّاه واضح فإنّ تجليّات الكلام لديهم أربعة: اثنان منها ينتسبان إلى المستوى اللّغوي الخالص وهما: اللفظ والخط، واثنان ينتسبان إلى المحيط الخارجي الذي يكتنف موقف الخطاب، وهما الإشارة ووقائع الحال التي تحيط بالخطاب [3] . وسبق أن أشرنا إلى مفهوم الإشارة ومحلّه من بحوث جون لاينز وغيره من علماء الدلالة المحدثين. وانتسابها إلى ما يعرف بالقوّة اللاكلاميّة في الحدث الكلامي.
وننقل هنا قولة ابن جنّي: = فلو كان استماع الأذن مغنيا عن مقابلة العين مجزئا عنه لما تكلّف القائل، ولا كلّف صاحبه الإقبال عليه، والإصغاء إليه، وعلى ذلك قالوا:
ربّ إشارة أبلغ من عبارة، وقال لي بعض مشايخنا رحمهم الله. أنا لا أحسن أن أكلّم إنسانا في الظلمة = [4] . وفي هذا القول استحضار لما لتأثير عناصر الموقف الخارجي في استعمال اللّغة على مواقف الخطاب وما يصاحبها من حركة اليدين، أو إيماءات الوجه، أو دفقات المشاعر المتمثّلة في دمعة وابتسامة، أو غيرها.
(1) د. نهاد الموسى: الأعراف أو نحو اللّسانيّات الاجتماعيّة في العربيّة، الملتقى الدولي الثالث في اللّسانيّات.
تونس. (2318) فيفيري 1985، العدد السادس 1986/ الجامعة التونسية. مركز الدراسات والأبحاث الاقتصاديّة والاجتماعيّة، ص 147.
(2) ابن هشام، شذور الذهب، 2/ 29.
(3) نهاد الموسى، الأعراف، ص 10.
(4) ابن جني، الخصائص 1/ 247.