وكثيرا ما يتجاوز معيار الصواب والخطأ الجانب الشكلي، فيصبح ما يرافق موقف الكلام من سياق خارجي هو الفيصل في هذا المعيار، وأمثلة ذلك عديدة، ومنه:
= أنّ حدّ الأسماء الظاهرة أن تخبر بها واحدا عن واحد غائب، والمخبر عنه غيرها فنقول:
قال زيد، فزيد غيرك وغير المخاطب، ولا نقول: قال زيد وأنت تعنيه، أعني المخاطب = [1] . وهكذا يمتنع لديهم أن يقال قال زيد في موقف يكون المخاطب بهذه الجملة هو (زيد) ، وعلى الرغم من أنّ هذه الجملة عند من يحتكم إلى قواعد الشكل وحده مستقيمة تماما [2] .
وتتبدّى عناصر الخطاب متكاملة في ملاحظات النّحاة واللّغويّين القدامى، ويتبدّى عنصر الإبلاغ في الخطاب كملحظ أساسي في قبول الجمل أو عدم قبولها، فتصبح فائدة المخاطب أو السامع معيارا لصحّة الكلام، ويراعون حال هذا المخاطب في صياغة الجملة أو العبارة فقد لحظ النحاة ما يكون من تغيّر صفات الخطاب وعناصره وفقا لمنزلة المخاطب والأحوال التي تعتريه [3] ، ويتمثّل هذا في قول المبرّد: = وكذلك لو قلت للخليفة، انظر في أمري، أنصفني، لقلت: سألته، ولم تقل أمرته، لأنك تأمر من هو دونك، وتطلب إلى من أنت دونه = [4] . كما تتدخّل حال المخاطب في تحديد الاختيار النحوي، فإذا قال لك شيئا تنكره أجبته ب (كلّا) ، ولم تجبه ب (لا) المعتادة في جواب السلب. ويتوقّف النحاة كذلك عند حقيقة المتكلّم وحاله، ويكشفون عن علاقتها بحقيقة الكلام وأحواله.
واستقصوا تواتر الأساليب الكلاميّة وفقا لجنس المتكلّم، كما في أسلوب الندبة، واستقصوا أعراضا لحال المتكلّم في مواقف الخطاب حتّى ما يعترضه في ذاكرته من توقّف،
(1) المبرّد، (محمد بن يزيد) المقتضب، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة، عالم الكتب / بيروت. بلا تاريخ، 4/ 274.
(2) نهاد الموسى، الأعراف، ص 14.
(3) نفسه، ص 16.
(4) المبرّد، المقتضب 2/ 132.