فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 509

(82)أسباب النزول تضيء خفايا النصّ

إذا كنّا قد أشرنا في أماكن سابقة إلى دور لأسباب النزول في إضاءات إضافية للنّصوص القرآنية، فإنّ بعض الآيات الكريمة لا يمكن قراءتها وفهمها فهما دقيقا صحيحا إلّا في ضوء معرفة سبب نزولها، لا بسبب صعوبة ألفاظها، وإنّما بسبب ما يمكن أن يترتّب على الفهم الحرفي المباشر لهذه الألفاظ من تناقض مع طبيعة المنهج الإسلامي. والأمثلة من سورة البقرة متعدّدة، وكلّها تؤذن بالقول إنّ (أسباب النزول) أو معرفة السياق المقامي الذي رافق النصّ يبدو من أبرز آليّات الدخول لفهم هذا النصّ، وهو صورة أخرى بارزة من صور العلاقة بين النصّ والسياق.

ومن ذلك ما يمكن ان يتبادر إلى الذهن من استغراب حين نقرأ الآية الكريمة {= يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لََا تَقُولُوا رََاعِنََا وَقُولُوا انْظُرْنََا وَاسْمَعُوا وَلِلْكََافِرِينَ عَذََابٌ أَلِيمٌ =} [1] . فنتساءل: وما الفرق بين = راعنا = و = انظرنا =؟، ومن ثمّ فما سبب منع استخدام الأولى، وإباحة استخدام الثانية؟ وما علاقة ذلك بقوله: {= وَلِلْكََافِرِينَ عَذََابٌ أَلِيمٌ =} ؟ ويزول الاستغراب تماما حين نقرأ سبب النزول، أو حين نعرف السياق المقامي المرافق لهذا الجزء من النصّ، فعن ابن عبّاس في رواية عطاء = أنّ العرب كانوا يتكلّمون بها (راعنا) فلما سمعتهم اليهود يقولونها للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم أعجبهم ذلك، وكان (راعنا) [9] في كلام اليهود سبّا قبيحا، فقالوا: إنّا كنّا نسبّ محمّدا سرّا، فالآن أعلنوا

(1) سورة البقرة، الآية (104) .

(9) أصلها في العربية (رعن) ، والأرعن: الأهوج في منطقة المسترخي. والرعونة: الحمق والاسترخاء، وقوله تعالى: {= لََا تَقُولُوا رََاعِنََا =} قيل هي كلمة كانوا يذهبون بها إلى سبّ النبي صلّى الله عليه وسلّم، اشتقوه من الرعونة، قال ثعلب: إنما نهى الله تعالى عن ذلك لأن اليهود كانت تقول للنبي صلى الله عليه وسلم راعنا أو راعونا، وهو من كلامهم سب، وقال ابن سيده: وعندي أن في لغة اليهود (راعونا) على هذه الصيغة يريدون الرعونة أو الأرعن، وقد قرأ الحسن لا تقولوا راعنا بالتنوين قال ثعلب: معناه لا تقولوا كذبا وسخريا وحمقا، وأما الكلمة التي كان يستخدمها المؤمنون فهي (راعنا) من (رعى) بمعنى الرعاية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت