ويمثّل هذا المنظور كتاب (تحليل الخطاب) لمؤلّفيه (براون ويول) الصادر عام (1983) . ويقدمان مجموعة من الافتراضات التي تحكم اشتغال المتلقّي بالخطاب بهدف اكتشاف انسجامه أو عدمه، ومنها أن الخطاب لا يملك في ذاته مقومات انسجامه، وإنّما القارئ هو الذي تسند إليه هذه المقومات، وإنّ كلّ نصّ قابل للفهم والتأويل هو نصّ منسجم، والعكس صحيح [1] .
وأمّا مبادئ هذا الانسجام فتؤخذ من السياق وخصائصه، ويتشكّل السياق لديهما من المتكلّم، والمستمع، والحضور (مستمعون آخرون يساهم وجودهم في تخصيص الحدث الكلامي) ، والزمان، والمكان، والموضوع (مدار الحدث الكلامي) ، وكذلك العلاقات الفيزيائيّة بين المتفاعلين كالإشارات، والإيماءات، وتعبيرات الوجه، والقناة الموصلة (كلام، كتابة، إشارة) ، والنظام أي الأسلوب اللغوي المستعمل، وشكل الرسالة (دردشة، جدال، عظة، خرافة) والغرض (المقصد) ، ومعرفة العالم الممكن [2] . وهي نفسها العناصر التي اقترحها هايمز وليفيس) (في دراسات سابقة لهما.
ولكي يبيّن (بروان ويول) أهميّة السياق في التأويل يقدّمان أمثلة معزولة عن سياقاتها الأصليّة التي ظهرت فيها، وعلى القارئ محاولة توقّع مميّزات السياق الذي يمكن أن تكون قد وردت فيه، ومن هذه الأمثلة التي يقدّمانها:
إنّ الكلمات التي يتشكّل منها هذا الخطاب معلومة معجميّا للقارئ، ولكن تجميعها على هذا النحو يوحي بالغرابة والغموض، ويزول هذا الغموض بمعرفة السّياق