فهرس الكتاب

الصفحة 423 من 509

لتقول: نحن نتلو عليك هذه الآيات، ونزوّدك بهذه التجارب البشريّة، وتجارب الموكب الإيماني كلّه في جميع مراحله، ونورثك ميراث المرسلين أجمعين. أمّا اتصالها بما قبلها فهو قوله عزّ وجل {= وَلََكِنَّ اللََّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعََالَمِينَ =} ومن فضله أن زوّدك بكلّ هذه التجارب، ومن فضله أنّك مرسل جديد إلى هذه البشريّة، وهي أيضا تذكير للمتلقّي الأوّل بدوره في تبليغ الرسالة، ولذلك خصّ فيها بالخطاب (عليك، وإنّك) وتترابط هذه الآية بما سبق من الآيات عن طريق الإحالة الإشارية (تلك) وهي اسم إشارة للبعيد، مع أنّ الخطاب يبدو الآن مباشرا حاضرا (عليك وإنك) وكأنّ الخطاب كان أصلا مع المخاطب الأول، وجاء القصّ في ثنايا الحديث ليثبّته ويقوّي عزائمه، وييئسه من إيمانهم ثم عاد إليه مرة أخرى ليقول له: {= إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ =} .

هذه أمثلة حسب عن تعامل النصّ مع المتلقّي الأول، ونخلص منه إلى أن النصّ قد خاطبه بأكثر من طريقة أولها باعتباره مخاطبا ومخاطبا معا، وذلك في الآيات التي فيها (قل) وأحيانا باعتباره مخاطبا فقط كما في آيات تحويل القبلة، وحين يخاطب كذلك فهو جزء من المخاطبين، والرسالة الموجّهة إليه تكون موجّهة للجميع، ولكنّه يخصّص باعتبار مكانته في رأس الجماعة المسلمة، وتوجيه للمسلمين بالاقتداء والاتباع، وقد رأينا أن للنصّ آليات عديدة في إيضاح موقف المخاطب الأول ومراعاة مكانته، وتبدّى ذلك من خلال روابط النصّ (الضمائر) وتنويعها على سبيل الالتفات، ثم في أسماء الإشارة، وتركيب الخطاب وأساليبه وصيغته من حيث نوع الجملة وترتيب عناصرها وأسلوبها.

4 -النصّ والمخاطبون:

إنّ الرسالة تتقولب بحسب المخاطب، أي تتشكّل لإيصال الرسالة له، أو لتصفه حسب أحواله، أو تقرأ مواصفات هذا المخاطب وغرضه وتفكيره وسلوكه، أو نتوقّعها من خلال ما تشي به بنية النص وروابطه وصيغه، ولصعوبة استحضار جميع

الشواهد في هذه السورة الكريمة فإنّنا سنتخّير بضعة أمثلة لكل جماعة من المخاطبين، فبعد الحروف المقطّعة التي تفتتح بها السورة، نجد سمات الأمّة الجديدة التي كتب الله لها أن تكون خير أمة أخرجت للناس، و (ذلك) كما قال المفسّرون إشارة لما في سورة الفاتحة حين سألوا الله الهدى {= اهْدِنَا الصِّرََاطَ الْمُسْتَقِيمَ =} جاء الجواب أنّ الهدى للصراط المستقيم هو في ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه، وقد قرّر السياق هذه الحقيقة في كلمات قلائل، لأنّه لم يعد يردّ على المكذّبين والمجادلين الذي يجادلون في صدق الوحي والرسالة، وفي أنّ الكتاب منزّل من عند الله، إنّه يخاطب المؤمنين اليوم مباشرة بعد أن تميّزوا عن الكفّار في مجتمعهم الجديد القائم بذاته، وصار الكلام والتوجيه لهم خاصّة، وإن كان يحدّثهم في السورة عن المشركين والمنافقين واليهود والنصارى ولكنّه يحدّثهم ليعلّمهم ويعرّفهم بأحوال هذه الفئات ومواقفها، لا ليجادلها جدلا مفصّلا في صحة الوحي والكتاب ويعد هذه الحقيقة الموجزة يمضي السياق إلى تقرير سمات المتّقين، وهو تقرير وتوجيه في الوقت ذاته، ولننظر كيف وصف النصّ الجماعات المختلفة بحسب موقفها من ذلك الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت