فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 509

وبينه، حيث إنّ الخمر والميسر هما مناط هذا الإثم، وجاء الإثم موصوفا بوصف تضخيمي (إثم كبير) ، وجاءت المنافع منكّرة، وجاءت كلمة الإثم الدالّة على المفرد لتوحي بجنس الإثم كلّه، بينما جاءت منافع بصيغة الجمع ليدلّ على أنّها مهما كثرت فهي معدودة أمّا الإثم فهو توالدي، كلّ إثم يفضي إلى آثام عديدة غير متناهية، ثمّ جاء الإثم سابقا للمنفعة لتعليق الذهن بالإثم وليس بالنفع فالإثم هو القاعدة، والمنفعة هي الجزء العارض اليسير فالإثم أكبر من النفع، وقد يكون ربط هذه الآية بالآيات الأخرى التي نزلت في الموضوع نفسه مفيدا في تبيّن استراتيجيّات النصّ في معالجة الواقع ففي الخطوة الأولى تحريك الوجدان الديني والمنطق التشريعي في سورة البقرة، ثمّ جاءت الخطوة الثانية بآية سورة النساء {= يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لََا تَقْرَبُوا الصَّلََاةَ وَأَنْتُمْ سُكََارى ََ حَتََّى تَعْلَمُوا مََا تَقُولُونَ =} [1] .

وفي هذا تضييق لفرص مزاولة عادة الشرب، وكسر لعادة الإدمان التي تتعلّق بمواعيد التعاطي لتقارب أوقات الصلاة، وبذا تفتر حدّة العادة، وبعد ذلك جاء النهي الحازم الأخير: {= إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصََابُ وَالْأَزْلََامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطََانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ =} [2] . وهذه الآية في سورة البقرة وإن بدأت بخطاب مع المتلقّي الأوّل (قل) إلّا أنّه تحوّل بعد ذلك إلى خطاب للجماعة كلّها وتربية شاملة لها.

ومن الأمثلة كذلك على خطاب المتلقّي الأول في سورة البقرة الآية (252) {= تِلْكَ آيََاتُ اللََّهِ نَتْلُوهََا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ، وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ =} ، وقد جاءت هذه الآية بعد سياق طويل يذكر بني إسرائيل يبدأ من الآية (243) {= أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيََارِهِمْ =}

وفيه بعض قصصهم مع أنبيائهم، وقصّة طالوت وجالوت، ثمّ دعاء الفئة المؤمنة بالصبر والثبات، ثمّ انتصارهم، ثمّ أتت هذه الآية كالتعقيب النهائي على القصّة،

(1) سورة النساء، الآية (43) .

(2) سورة المائدة، الآية (90) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت