واستعدادهم للتلقّي والتغيير. وسنقف مع سؤالهم عن الخمر وقفة متأنّية {= يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمََا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنََافِعُ لِلنََّاسِ وَإِثْمُهُمََا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمََا =} [1] .
إنّ هذه الآية جاءت لتبيّن للمسلمين حكم الخمر والقمار، وكلتاهما لذّة من اللذائذ التي كان العرب غارقين فيها، وكانت تستغرق مشاعرهم وأوقاتهم، وإلى ذلك الوقت الذي نزلت فيه هذه الآية لم يكن قد نزل تحريم الخمر والميسر، ولكنّ نصّا في القرآن كله لم يرد بحلّهما، إنّما كان الله يأخذ بيد هذه الجماعة الناشئة خطوة خطوة في الطريق الذي أراده لها، ويهيّئها للدور الذي قدرّه لها والذي لا يتلاءم معه ذلك الضياع في الخمر والميسر. وهذا النصّ الذي بين أيدينا كان أوّل خطوة من خطوات التحريم، ويظهر هذا النصّ خصيصة من خصائص النص القرآني في معالجة الواقع فحين يتعلق التوجيه القرآني بقاعدة من قواعد التصوّر الإيماني والعقيدة فإنّه يقضي فيها قضاء حاسما منذ اللحظة الأولى، وإذا تعلّق الأمر أو النهي بعادة أو تقليد أو بوضع اجتماعي معقّد فإنّه يرفق ويتدرّج، ويهيّئ الظروف الواقعيّة التي تيسّر التنفيذ والطاعة، وقد كان الخمر والميسر أمر عادة وإلف، فبدأ بتحريك الوجدان الديني والمنطق التشريعي بأنّ الإثم في الخمر والميسر أكبر من النفع، وفي هذا إيحاء بأنّ تركهما أولى، ولاحظ سياق الآية {= يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، قُلْ =} فسؤالهم عن الحكم قد يعني استعدادهم للقبول بأيّ حكم يأتي، ومع ذلك، فإنّ علم الله بأحوالهم واستحكام هاتين العادتين فيهم جعل التحريم الصريح يتأخّر وجاء الجواب (قل) ، ومضمون هذا القول = فيهما إثم كبير ومنافع = وهو جواب فيه تقديم وتأخير ليسلّط الضوء على موضع السؤال من جهة (الخمر والميسر) ، وليعلّق السائل بموطن الإثم الكبير في هذه الحالة، وليضع نوعا من النفور بينهم
(1) سورة البقرة، الآية (219) .