كما نرى مثلا في (دون كيشوت) أو إلى مكان يشمل مساحة هامّة محورية في فضاء النصّ مثل (زقاق المدقّ) . أو إلى أحداث تمثّل مؤشّرا يحدّد الطابع الفكري أو الإيديولوجي للنصّ مثل (الحرب والسلام) ، أو (موسم الهجرة إلى الشمال) . كما يمكن أن يقوم العنوان بدور الرمز الاستعاري المكثّف لدلالات النص، مثل: (شجر الليل) أو (المعبد الغريق) ، أو يشير إلى أساطير موظفة في النصّ مثل (عوليس) أو (رحلة السندباد) [1] .
فالكرماني وكذلك (براون ويول) قد ربطوا العنوان بمقصد الخطاب وغرضه، أما الزركشي فقد ربطه بالسياق الثقافي (تقليد معلوم) كما يربطه (براون ويول) بالقارئ ودوره في تعضيد فكرته عن موضوع النص، ويربطه صلاح فضل بموضوع الخطاب وبنائه وكذلك بالمتلقّي، ولا يمنع من الجمع بين هذه الآراء جميعا مانع أبدا، فالعنوان جزء من موضوع السورة، بل هو جزء مكثّف منه، و (البقرة) تصلح أن تكون رمزا مكثّفا محوريّا لصنيع بني إسرائيل وموقفهم من الرسالة الجديدة، وهو موضوع رئيس كما رأينا في فقرة موضوع الخطاب، واختيار هذا العنوان فيه تنبيه للقارئ إلى هذا المحور الرئيس من موضوعات السورة، كما أنّ فيه تعضيدا لمقصد الخطاب، وهو لفت أنظار المؤمنين في زمن النص وفي كلّ آن إلى أن طبائع أولئك اليهود غير قابلة للتبدّل لا قديما (في زمن قصّة البقرة) ولا في عهد سيدنا محمد (زمن نزول النص) ولا في أيّ زمن من الأزمان. وبذا يجتمع في العنوان مفاتيح عناصر الموقف الكلامي جميعا، المخاطب سبحانه (الذي جعل العنوان توقيفا منه سبحانه) ، والمخاطب أو المتلقّي، والمقصد، والموضوع أو الرسالة.
إنّ بحثنا لن يتّجه بحال من الأحوال إلى المخاطب عزّ وجل، ولكنّ بعض الباحثين اجتهد أن يعتبر المخاطب في مثل هذا الدرس من دروس تحليل الخطاب هو
(1) صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النصّ، ص 303.