الجديدة لا يمكن أن تتمّ بمعزل عن دراسة سياق النصوص. وهو السياق الذي نجده في (أسباب النزول) كما مرّ معنا.
تعدّ ظاهرة النسخ التي ذكرها علماء القرآن في مؤلّفاتهم من الظواهر الدالّة على وجود علاقة قويّة بين النصّ والواقع، وهي دالّة أيضا على تفاعل هذا النصّ مع سياقه الثقافي والاجتماعي. ومعنى النسخ: الإزالة، واختلف العلماء حول مفهومه، فشرحه بعضهم بأنّه إزالة الحكم وإبقاء اللفظ، ويقصد بذلك إزالة حكم آية بحكم آية أخرى متلوّة أو بخبر متواتر، ويبقى لفظ المنسوخة متلوّا، ويرى آخرون أنّه إزالة الحكم واللفظ وتحلّ الآية الناسخة لها في الحكم والتلاوة. والمعنى الثالث من معاني النسخ مأخوذ من قول العرب: نسخت الريح الآثار إذا أزالتها فلم يبق منها عوض، ولا حلّت الريح محلّ الآثار بل زالا جميعا، وهذا النوع من النسخ إنّما يؤخذ من جهة الأخبار، نحو ما روي أنّ سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة طولا، فنسخ الله منها ما شاء فأزاله بغير عوض، وذهب حفظه من القلوب، وهذا الأخير على ضربين:
1 -أن يزول اللّفظ من الحفظ أو يزول الحكم، على نحو ما ذكرنا من سورة الأحزاب.
2 -أن تزول التلاوة واللفظ، ويبقى الحكم والحفظ للفظ، ولا يتلى على أنّه قرآن ثابت، نحو آية الرجم التي تواترت الأخبار عنها [1] .
وقد انقسم العلماء إزاء هذه المسألة إلى أقسام، فكان منهم القائلون بوجود النسخ، وآخرون قالوا بندرته، وفئة ثالثة انكرت وجود النسخ في القرآن [9] ويهمّنا في هذا
(1) أبو محمد مكّي بن أبي طالب القيسي، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه، ص (5349) .
(9) يمكن للمهتم أن يطّلع على آراء هذه الفئات في كتب التفسير والأصول وكتب علوم القرآن، كما يمكن التعرّف على آراء العلماء المحدثين من خلال مناقشاتهم وفتاويهم التي ورد بعضها في كتاب (لا نسخ في القرآن) / أحمد حجازي السقا / دار الفكر العربي ط 1/ 1978.