فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 509

حين نزل قوله تعالى: {= سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ =} [1] قال: أيّ جمع؟ فلمّا كان يوم بدر وانهزمت قريش نظرت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في آثارهم مصلتا بالسيف يقول: = سيهزم الجمع ويولّون الدبر =، فكانت ليوم بدر = [2] . ولكنّ سياق الآية في سورتها يكشف أنّها تتضمّن مقارنة بين آل فرعون وبين مشركي مكّة، وهي مقارنة يمكن تلمّسها من انتقال النصّ من قصّة آل فرعون إلى تهديد أهل مكّة. {= وَلَقَدْ جََاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ، كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا كُلِّهََا، فَأَخَذْنََاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ. أَكُفََّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولََئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرََاءَةٌ فِي الزُّبُرِ. أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ. سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السََّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسََّاعَةُ أَدْهى ََ وَأَمَرُّ =} [3] . وهو انتقال ينكشف من خلال الالتفات المتكرّر من الغيبة إلى خطاب المؤمنين إلى خطاب الكفّار ثمّ إلى الغيبة مرة أخرى، في حركة سريعة، وبالإضافة إلى ذلك فإنّ التوعّد بصيغة الاستقبال (السين) ثمّ الإضراب باستخدام (بل) والحديث عن الساعة يكشف عن (سياق النصّ) أو مناسبة النزول [4] . والنصّ كذلك يكشف عن الصراع المستمر بين المؤمنين والكافرين وهو صراع كانت الغلبة فيه للكفّار في المرحلة المكيّة، ولذلك نجد النصّ يتوعّد، ونجد هذا الوعيد قد تحوّل في سياق حركة الواقع مع إعادة قراءته ومع إعادة الاستشهاد به في سياق جديد إلى نوع من البشارة. لكنّ هذا التحوّل نوع من توسيع دلالة النصّ باتّساع أفق القراءة. وليس سبب نزول جديد متأخّر عن وقت نزول الآية. وهذا يفضي بنا إلى فهم جدليّة علاقة النصّ بواقعه، وإعادة قراءته مرّة أخرى مع تطور وعي الجماعة التي تتعامل مع هذا النصّ.

والنصوص الإبداعيّة العظيمة تملك إمكانيّات مفتوحة دائما للتعبير عن وقائع جديدة، لكنّ عمليّة استخراج هذه الدلالات الجديدة من النصوص في ضوء القراءات

(1) سورة القمر، الآية (45) .

(2) السيوطي، الإتقان، 1/ 36.

(3) سورة القمر، الآيات (4441) .

(4) نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص، ص 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت