يقسّم علماء الأصول الخطاب بحسب السامع إلى واضح الدلالة وخفيّ الدلالة، وواضح الدلالة عند كلّ من الحنفيّة والجمهور هو الظاهر والنصّ والمفسّر، وهذه التقسيمات جميعا التمست بحسب السامع أو المخاطب. ويضربون للظاهر أمثلة عديدة منها قوله تعالى: {= وَأَحَلَّ اللََّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبََا =} [1] . فدلالة الآية واضحة على إحلال البيع وتحريم الربا من غير احتياج إلى قرينة خارجيّة، ولكنّ هذا المعنى ليس هو المقصود بالأصالة من سوق الآية، بل المقصود منه هو نفي التماثل بين البيع والربا، وإثبات التفرقة، لأنّ الآية إنّما قيلت في الردّ على أكلة الربا الذين يقولون {= إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبََا =}
وبذلك يكون المعنى الأول هو الظاهر منها، لأنّه المقصود بالتبعيّة لنفي التماثل. ثمّ من جهة أخرى فإنّ البيع والربا في الآية لمّا كانا عامّين، احتملا التخصيص والقصر على بعض أنواع البيوع، واحتملت الآية كذلك النسخ باعتبارها خطابا يتعلّق بأحكام جزئيّة تكليفيّة = [2] .
وأما المفسّر فمثل قوله تعالى: {= وَأَقِيمُوا الصَّلََاةَ وَآتُوا الزَّكََاةَ =} [3] . وقوله سبحانه {= كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيََامُ =} [4] . فقد فسّرت ألفاظ الصلاة والزكاة والصيام، بأقوال وأفعال متواترة من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قاطعة في دلالتها على المعنى منها والداعي إلى تفسير الخطاب يرجع إمّا إلى الخطاب ذاته، بأنّه كان مجملا أو إلى المتكلّم إذا كان الكلام ظاهرا في إفادة معناه، ولكنّه يحتمل أن يراد به غير ظاهره، فيرفع المتكلّم ذلك
(1) سورة البقرة، الآية (275) .
(2) الإمام علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري ت (730هـ) ، كشف الأسرار، ط 2، دار الكتاب العربي / بيروت / 1974، ص (4746) .
(3) سورة البقرة، الآية (110) .
(4) سورة البقرة، الآية 182.