فهرس الكتاب

الصفحة 299 من 509

أنّ السياق اللّغوي في نصّ البقرة قد أوضح فلا ضرورة لتكرار ذلك في هذا الموضع. فهنا الاختلاف بين هذين النّصين بني على القارئ وهو جزء من المقام، وعلى السياق اللّغوي.

وقد يكون الأثر الذي يحدثه تغير السياق اختلافا على المستوى الدلالي، ومن أمثلته قوله (تقربوها) في الآية (187) من سورة البقرة (ولا تعتدوها) في الآية (229) في السورة نفسها، وذلك لأنّ الأولى جاءت في سياق النهي، والثانية جاءت في سياق الأمر، فالأولى تتحدّث عن مباشرة النساء في رمضان وهو نهي، والثانية تتعلّق ببيان عدد الطلقات بخلاف ما كان عليه العرب من المراجعة بعد الطلاق من غير عدد، وما كان أمرا أمر بترك المجاوزة وهو الاعتداء = [1] .

إن قولة الفيروزآبادي = ليكون لكلّ دعوى ما يلائمها = تلخّص المعادلة التي يتعلّق بها النصّ والسياق، فكلّ أثر في السياق يحدث تأثيرا مختلفا داخل بنية النصّ.

(ب 5) الاتّساق بين النصّ والمخاطب

ورد معنا آنفا وفي كثير من المواضع استحضار دور المخاطب في صياغة الخطاب، ونركّز هنا على الأشكال التي أخذها هذا الدور لدى المفسّرين، ومن ذلك أنّ عمل المفسّر غالبا يبدأ من تحديد المخاطب بالآية أو الآيات، ثمّ شرح الآيات في ضوء تحديد المخاطب، ثم شرح التناقض أو الاتّفاق بين النصّ من جهة، وطبيعة المخاطب من جهة أخرى، وإذا اختلف في المخاطب بهذه الآيات كان المفسّر يرجح أحد الآراء بالعودة إلى السياق.

ويتصور المفسّر غالبا وجود سائل يسأل دائما عن جزء من النصّ فيأتي الجواب في جزء آخر منه، وهذا يوحي بأنّ هذا النّص قابل للقراءة في سياقات متجدّدة من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ النصّ يتصور تجاوب المخاطب معه وتترتبّ أجزاء النّص على هذا الأساس، ومن ذلك عند الرازي في تفسيره للآية {= هُدىً لِلْمُتَّقِينَ =} قال: = حين خصّ المتقيّن

(1) الفيروزآبادي، بصائر ذوي التمييز، 1/ 152.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت