فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 509

والعلاقات وأنّ هذا النصّ من خلال تركيبه يقدّم رؤية للعالم تحتاج إلى بحث ينطلق من تحليل مستويات السياق، وليس من خلال القفز عنها [1] .

تعقيب:

ربّما يجدر بنا أنّ نناقش أفكار الكاتبين كلّ على حدة، وربّما يتقاربان في أكثر من موقع فتصبح المناقشة أكثر ضبطا، ولكنّهما يفترقان كذلك في مواضع عديدة. وربّما يكون الافتراق الرئيس بينهما أنّ كلا منهما قد صدر عن غاية مختلفة، ومع ذلك فلن أناقش مقولات الكاتبين بهذه الطريقة، وإنّما سأعرض وجهة نظري بعد أن عرضت مجمل وجهة نظر كلّ واحد منهما بإيجاز ولكن باستيفاء. إنّ المستقري للبحث الدلالي عند الأصوليّين ليلمح سمات اتّجاهات ثلاثة تتمايز فيما بينها نظريّا ولكنّها تتلازم عمليّا على صعيد البحث والممارسة. فالاتجاه الأوّل يرتهن في وجوده الى البعد الحضاري، وذلك لأنّ أثر هذا البعد كان بيّنا في أمرين: الأوّل ويتعلق باللّغة نفسها، والثاني يتعلّق بالدرس اللغوي، أمّا الأوّل فقد تجلّى في التطوّر الدلالي الذي أصاب اللّغة، والثاني وقد تجلّى في جعل الدرس لهذه الظاهرة مرتبطا ضرورة بالنسق الحضاري ذاته فتطوّر اللّغة دلالة لا يكون إلّا نتيجة لتطوّر استعمالها حضارة. وذلك لأنّ للحضارة وخاصّة الإسلاميّة وجودا يقوم على اللّغة. وهي أيضا دحض لمفاهيم، وخلق لأخرى بعد أن لم تكن، وإعادة إبداع لبعضها الثالث في صيغ جديدة ثمّ إنّها انتقال بالإنسان من كائنه الشخصي إلى كائنه النصيّ إن جاز التعبير. فهي فعل تركيبيّ يصل أعمق الأعماق في إحداث الوعي لغة، وتشكيلي ليطال الظاهرة في إحداث تجليّاتها الماديّة نصّا، وإنّها بين هذا وذاك لتجعل للمعنى حضورا دائما في حضور وعي الإنسان بالعالم. وضرورة مستمرّة ترافق إعادة تشكيل العالم لنفسه على صور مختلفة، ومن هنا فقد كان فعلها قدرة خلّاقة تخترق الواقع بكلّ ما فيه لتعيده نشأة أخرى.

(1) نصر حامد أبو زيد، النصّ: السلطة الحقيقة، ص: 107.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت