فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 509

قدرتها على القيام بوظيفتها من الإطار الثقافي الأوسع بالمعنى الذي شرحناه، لذلك لا يكفي المتلقّي معرفة قوانين اللّغة لضمان عمليّة التواصل، ولا بدّ بالإضافة إلى ذلك أنّ يكون هناك إطار معيشي حياتي يمثّل مرجعيّة التفاهم والتواصل، وهذه المرجعية المعرفية هي الثقافة بكلّ مواضعاتها وأعرافها وتقاليدها، وهي التي تتجلّى في اللّغة وقوانينها بطريقة لم يتمكّن (علم اللّغة الاجتماعي) رغم إنجازاته الهامّة من رصدها رصدا دقيقا بعد.

وتعدّ التصوّرات والمفاهيم جزءا من منظومة الثقافة، ولذا فإنّ اللّغة تشير إليهما بطريقة رمزيّة. وتزداد درجة كثافة الإحالة الرمزيّة في اللّغة إذا انتقلنا من مستوى الألفاظ المفردة إلى مستوى التركيب المنتج للدلالة، وإنّ النصوص لا تفصح عن نفسها إلّا من خلال السياق الثقافي [1] . وإنّ الفرق بين النظام اللّغوي ونظام النصّ هو المحدّد لخصائص الرسالة، وهو نابع أساسا من أيديولوجيّة المرسل، ويمثّل النظام اللّغوي للمتلقّي الإطار التفسيري للرسالة، ويرى أنّه لا يمكن فهم النّص الديني والقرآن خاصّة خارج إطار السياق الثقافي المعرفي للوعي العربي في القرن السابع [2] .

وبالنسبة للقرآن الكريم، فإنّ سياق التخاطب الأساسي فيه، وهو أهمّ مستويات السياق الخارجي، يجعل محور الخطاب (أعلى / أدنى) . وعلى أساس هذا المحور تتحدّد الوظيفة التعليميّة بوصفها سمة أساسيّة للنّص، ويؤكّد هذه السمة أنّ محور التركيز غالبا هو المتلقّي، وإن لم يمنع هذا من وجود المتكلّم بشكل يطغى على المخاطب في بعض الأجزاء. ويرى أنّ سياق التنزيل راعى أحوال المخاطبين خلال حقبة زمنيّة تربو على العشرين عاما. وأنّ سياق التنزيل يمكن قراءته في موضوعات علوم القرآن (المكّي والمدني) وأسباب النزول، وهو ما يميّز الخطاب القرآني خلال مرحلتي الدعوة الإسلاميّة. ثمّ يسير إلى السياقات الداخليّة للنصّ القرآني من حيث سياق الترتيب والمناسبة والروابط

(1) نصر حامد أبو زيد، النص: السلطة الحقيقية، ص 98.

(2) نفسه، ص 100.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت