ونقصد بالإعراب في هذا الموضع عملية التحليل النحوي بمعناها الجامع، وتشمل الصيغة والتركيب والدلالة والإعراب. ويتبدّى أثر السياق في توجيه الإعراب في مظاهر عديدة منها اهتمام المعرب بتمام المعنى وإكمال السياق باكتمال الجمل المكوّنة له، ومن مظاهره كذلك شرح المعنى بعد اختيار كلّ وجه من وجوه الإعراب، والاستعانة بالمعنى في توجيه الإعراب واستصحاب الحال، والحال المشاهدة في توجية الإعراب، ويتمثّل كذلك في مجموعة من الملاحظات السياقيّة التي يثيرها النحاة خلال تصدّيهم لإعراب النصّ تمسّ النصّ من وجه من الوجوه، ومنها أيضا استحضار موقف خطاب مماثل للقياس عليه تمهيدا لترجيح الإعراب. وكذلك الاهتمام بعنصر الزمان والظرف وهو من عناصر السياق. وكذلك الاهتمام بمجموعة من الظواهر السياقيّة كالتقديم والتأخير، والتعريف والتنكير، والإحالة بأشكالها.
ففي إعراب النحّاس للآية (6) وقوله تعالى: {= أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ =} قال:
(الخبر والجملة خبر(إنّ) أي أنّهم تبالهوا حتى لم تغن فيهم النذارة، والتقدير سواء عليهم الإنذار وتركه أي: سواء عليهم هذان، وجيء بالاستفهام من أجل التسوية قال ابن كيسان: يجوز أن يكون (سواء) خبر (أنّ) وما بعده يقوم مقام الفاعل، ويجوز أن يكون خبر إنّ (لا يؤمنون) أي إنّ الذين كفروا لا يؤمنون [1] . إنّ المعرب يوجّه الجملة توجيهات عدّة، وفي كلّ اختيار سياقي ينظر في المعنى المتحصّل من هذا الاختيار السياقي، وهو بهذا يشير إلى أنّ اختلاف مكوّنات الجملة في كلّ مرّة، يصنع سياقا لغويّا جديدا، يحمل معنى جديدا ورسالة لغويّة جديدة. وهو لا ينسى في خضمّ بحثه عن المركّبات الأساسيّة في الجملة (أركان الجملة) أن يعالج المركّبات الأخرى، والدور الذي يمكن أن تؤديه في خدمة السياق في كلّ تركيب مختار.
(1) النحاس، إعراب القرآن، ص 1/ 184.