فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 509

وتقدير المعنى التأويلي الأوّلي قبل الإعراب يسهم إلى حدّ كبير في توجيه دفة المعرب خلال معالجته للنصّ ففي الآية (18) في قوله = صمّ = قيل: = على إضمار مبتدأ أي: هم صمّ بكم عمي، وفي قراءة عبد الله وحفص (صمّا بكما عميا) لأنّ المعنى وتركهم غير مبصرين صمّا بكما عميا = [1] . وأحيانا يحصل عكس ذلك، أي أنّ الوجه المختار هو الذي يعطي للمعرب المعنى، ومن ذلك في إعراب الآية (25) = فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا = قال ابن كيسان: = وإن شئت جعلت (ما) اسما تامّا في موضع رفع بالابتداء، و (ذا) بمعنى الذي هو خبر الابتداء ويكون التقدير: ما الذي أراد الله بهذا مثلا = [2] . إنّ عمليّة التأويل والوصول إلى المعنى هي هدف المعرب في خاتمة الأمر، فقد يبدأ من معنى مفترض، ويقوّيه من خلال التركيب أو يستبعده أو يبدأ بالتركيب وصولا إلى المعنى. وفي كلّ الأحوال يحاول المعرب أن تكون القراءة أقرب إلى مقصد صاحب النصّ من جهة، ومتّسقة مع بقيّة أجزاء النّص من جهة أخرى.

ومن الأمثلة كذلك إعراب الآية (36) {= فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطََانُ عَنْهََا} ، و {قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ =} قال النحّاس: = (بعضكم) مبتدأ وعدوّ خبر، والجملة في موضع نصب على الحال، والتقدير: وهذه حالكم، وحذفت الواو لأنّ في الكلام عائدا كما يقال رأيتك (السماء تمطر عليك) =، ويقال: كيف قال عدوّ، ولم يقل أعداء؟ ففي هذا جوابان: أحدهما أنّ (بعضا) وكلا يخبر عنهما بالواحد وذلك في القرآن، قال عزّ وجل:

{= وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ =} = وكلّ أتوه داخرين = والجواب الآخر أنّ عدوّا يرد في موضع الجمع، قال الله عزّ وجل: {= وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظََّالِمِينَ بَدَلًا} = بمعنى أعداء. = [3] وفي هذا النصّ أكثر من مسألة أوّلها: التقدير بناء على المكوّنات التي اختارها، وهي تصنع سياقا قابلا للقراءة هو هذا التقدير، وثانيها: اهتمامه بمسألة تجانس السياق وتشاكله فالخطاب

(1) النحاس، إعراب القرآن، 1/ 193.

(2) نفسه، 1/ 204.

(3) نفسه، 1/ 214.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت