فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 509

كيف عالج النصّ التاريخي الواقع (سبب النزول) وكيف عالج النصّ القرآني بدوره ذلك الواقع. إنّ النصّ القرآني لا ينقل المشهد الواقعي كما هو أبدا فيما يشبه أن يكون نقلا دقيقا لذلك الواقع كالصورة الفوتوغرافية، إنّ الصورة التي يرسمها النصّ القرآني متفاعلة مع الواقع ولكنّها تصوّره بصيغة العموم (مشهد من عل) بحيث يصلح أن يقرأ في كلّ واقع مشابه قراءة جديدة، وسنجد أنّ الواقعة التاريخية المحدّدة ماثلة في النصّ من غير أسماء شخوصها أو تفاصيلها الدقيقة. وهذا يتم عبر اللغة، وعبر أدوات التعميم والتخصيص فيها.

(22)التفاعل مع جزء من النصّ يستدعي جزءا آخر منه

وهو كثير فنجد نزول آية من الآيات، قد يسأل المؤمنون عنها، ممّا يستدعي نزول آية أخرى، وقد يعقّب أحد اليهود أو الكفار، أو أحد أعداء الرسالة بما يمكن أن يشكّك بالآية مما يستدعي توضيحا أو استثناء أو تعقيبا مناسبا. ومن أمثلة ذلك ما روي حول الآية (26) من سورة البقرة: {= إِنَّ اللََّهَ لََا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مََا بَعُوضَةً فَمََا فَوْقَهََا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مََا ذََا أَرََادَ اللََّهُ بِهََذََا مَثَلًا، يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا، وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، وَمََا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفََاسِقِينَ =} . قال ابن عبّاس: = نزلت في المنافقين، ذلك أنّه لمّا ضرب الله سبحانه وتعالى هذين المثلين للمنافقين قوله { (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نََارًا) } وقوله { (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمََاءِ) } قالوا: الله أجلّ وأعلى من أن يضرب الأمثال، فأنزل الله هذه الآية = {إِنَّ اللََّهَ لََا يَسْتَحْيِي} = [1] .

وعن عطاء عن ابن عبّاس في قوله تعالى = {إِنَّ اللََّهَ لََا يَسْتَحْيِي أَنْ} = قال:

= وذلك إنّ الله ذكر آلهة المشركين فقال: {= وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبََابُ شَيْئًا =} وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت فقالوا: أرأيتم حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل القرآن على محمّد، أيّ شيء يصنع بهذا؟ فأنزل الله هذه الآية = [2] .

(1) الواحدي، أسباب النزول، ص 12.

(2) نفسه، ص 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت