فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 509

التفاعل الحار بين النصّ والمقام الذي يتنزّل فيه، ومع ذلك يبقى متّسقا منسجما مترابطا، فالتفاعل مع الواقع ينتج نصّا متآلفا متناغما. ولن يفوتنا الإشارة إلى أنّ السبب الرئيسي في بقاء النصّ القرآني متوحّدا كالكلمة الواحدة هو وحدة المخاطب سبحانه وتعالى، وعلى الرغم من توحّده فهو متنوّع يشتمل على خطابات عديدة تختلف باختلاف المقام داخل النسيج القرآني الواحد.

3 -المكّي والمدني:

ضبط الصحابة والتابعون وعلماء القرآن منازل القرآن آية آية ضبطا يحدّد الزمان والمكان. وعني العلماء بتحقيق المكّي والمدني على وجه التخصيص عناية فائقة.

ويمكن القول إنّ ظروف التنزيل كانت واضحة لديهم أشدّ الوضوح، ومن ذلك علمهم بما نزل بمكّة، وما نزل بالمدينة، وما نزل بمكّة وحكمه مدنيّ وما نزل بالمدينة وحكمه مكيّ، وما نزل بمكّة في أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكّة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل بالطائف، وما نزل بالحديبيّة، وما نزل ليلا، وما نزل نهارا، وما نزل مشيّعا، وما نزل مفردا، وما نزل مجملا، وما نزل صيفا، وما نزل شتاء، وما نزل في الحضر (الحضري) وما نزل في السفر (السفري) وغيرها.

ولعلّ التفرقة بين المكّي والمدني في النصّ تعدّ تفرقة بين مرحلتين هامتين ساهمتا في تشكيل النصّ سواء على مستوى المضمون أم على مستوى التركيب والبناء. وليس لذلك من دلالة سوى أنّ النصّ ثمرة للتفاعل مع الواقع الحيّ التاريخي، وإذا كان العلم بالمكّي والمدنيّ يكشف عن الملامح العامّة لهذا التفاعل، فإنّ علم أسباب النزول الذي سلف الحديث عنه يكاد يزوّدنا بالمراحل الدقيقة لتشكيل النصّ في الواقع والثقافة. ولذلك جهد علماء القرآن ليس في تبيّن دقائق هذا الموضوع فحسب، بل في ذكر فوائده الجمّة، في كلّ زمان ومكان، ويذكرون من هذه الفوائد = الاستعانة في تفسير القرآن، والاستفادة منها في أسلوب الدعوة، فإنّ لكلّ مقام مقالا، ومراعاة لمقتضى الحال، فالخطاب يختلف

باختلاف أنماط الناس ومعتقداتهم، وأحوال بيئتهم، وتتلاءم طرائق الخطاب بما يلائم نفسيّة المخاطب = (1) . كما أنّه = عماد قويّ في تاريخ التشريع يستند إليه الباحث في معرفة التدرّج في الأحكام والتكاليف = (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت