اللفظ عند ما يكون محتملا = وجب حمله على موافقة الأصول، ولا خلاف أنّه غير جائز للأب هبة شيء من مالها للزوج ولا لغيره فكذلك المهر لأنه مالها = [1] . والذين حملوه على الولي قد خالفوا الأصول لأنّ أحدا لا يستحقّ الولاية على غيره في هبة ماله [2] .
وهكذا وجدنا أنّ المتكلّم لمّا كان لا يتأتّى له أن يغفل المخاطب وهو يبدع الخطاب، أو يتحدّث به، فإن كلّ ذلك يتجلّى داخل النص، ولمّا وجدنا المخاطب يتنوّع في الخطاب، تتنوّع الأحكام تبعا لتنوعه فهو أحيانا صحيح معافى، وأحيانا مريض أو مسافر وأحيانا مجاهد قادر، وأحيانا قادر على الجهاد ولكنه متبلّد، وأحيانا منافق، وأحيانا أمّة بكاملها، وأحيانا جنس الناس، وأحيانا نوع من هذا الجنس = يا بني إسرائيل = وبحسب هؤلاء صاغ الأصوليّون أحكامهم مستقين ذلك من النص.
لقد توخّى علماء أصول الفقه النظر إلى البيئة المحيطة بالنصّ، فبالنسبة للتكاليف العمليّة فكثيرة هي الأمور الجليلة التي وقع التكليف فيها بالتقريبات، من مثل معرفة أوقات الصلاة بالظلال، وطلوع الفجر، والشمس، وغروبها وغروب الشفق، وكذلك الصيام، قال تعالى: {= حَتََّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ =} [3] . وجاء في الحديث النبوي الشريف: = إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم = [4] . فهنا لا بدّ أن يتعامل الفقيه مع عناصر البيئة المختلفة لتفسير هذه النصوص، ووضع الأحكام.
(1) الجصاص: (الإمام أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص) ت (370هـ) ، أحكام القرآن، تحقيق محمد الصادق قمحاوي، ط 2، دار المصحف القاهرة، بلا تاريخ، 2/ 152.
(2) نفسه.
(3) سورة البقرة، الآية 187.
(4) صحيح البخاري، باب الصيام.