وفي بيان أهميّة المعرفة بالبيئة نجد الإمام الشاطبي يذكر أنّ من بين أنواع المقاصد الشرعيّة = مقصد وضع الشريعة للإفهام = [1] . وركّز في بيان هذا القصد على كثير من خصوصيّات تلك البيئة التي يجب أن تفهم الشريعة في ظلّها، ومن بينها أحوال المخاطبين، والأعراف والعادات، وغيرها. وعند الأصوليّين ما اصطلح عليه = بعبارة النصّ = أو المنطوق الصريح. ويقصد بها الصيغة المكوّنة من المفردات والجمل وقد سميّت الألفاظ الدالّة على المعاني عبارات، لأنّها تفسّر ما في الضمير الذي هو مستور، وتعبّر عنه وتظهره للوجود [2] .
وبذلك يظهر أنّ الضابط الأساسي الذي يميّز عبارة النصّ من إشارته، هو دلالة اللّفظ بالوضع على الحكم والقصد إنّما يتوقف عليه في التمييز بينهما: فيما يستفاد من خارج اللّفظ أي من مدلول اللفظ بطريق اللّزوم.
ولعلّ هذا المعيار الدقيق هو الذي جعل بعض الأصوليّين يمثّلون لعبارة النصّ بقوله تعالى: {= وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ =} [3] . حيث رأى أنّ الحكم المستفاد من اللام في (له) والذي هو اختصاص الآباء بنسب الأبناء إليهم دون غيرهم، مدلول عليه بعبارة النصّ لا بإشارته كما هو رأي الجمهور لأنّ التعبير عن الأب بالمولود له يدلّ على مزيد اتصال الولد بأبيه، واختصاصه به حتى كأنّه ملك له، وهو معنى متبادر من اللّفظ ومقصود منه، ولكنّه ليس هو المقصود الأوّل، ويمكن إفادة المعنى الأوّل بدونه، بأن يقال = وعلى الأب رزقهن وكسوتهن بالمعروف = فهو مقصود تبعا، ومن ثمّ كانت الدلالة عليه عبارة لا إشارة = [4] .
وكدلالة عبارة النصّ عند الحنفيّة على المعنى الالتزامي إذا كان مقصودا للمتكلّم، مثل التفرقة بين حقيقة البيع وحقيقة الربا في قوله تعالى: = وأحلّ الله البيع وحرّم الربا =. وقالوا
(1) الشاطبي، الموافقات، 2/ 64.
(2) كشف الأسرار 1/ 67.
(3) سورة البقرة، الآية 233.
(4) كشف الأسرار، 1/ 68.