هذه السورة من أوائل ما نزل من السور بعد الهجرة، وتضم عدة موضوعات، ولكنّ المحور الذي يجمعها كلّها محور واحد مزدوج، يترابط الخطّان الرئيسان فيه ترابطا شديدا فهي من ناحية تدور حول موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلاميّة في المدينة، واستقبالهم لها، ومواجهتهم لرسولها صلّى الله عليه وسلّم وللجماعة المسلمة الناشئة على أساسها، وسائر ما يتعلّق بهذا الموقف بما فيه تلك العلاقة القويّة بين اليهود والمنافقين من جهة، وبين اليهود والمشركين من جهة أخرى. وهي من الناحية الأخرى تدور حول موقف الجماعة المسلمة في أوّل نشأتها، وإعدادها لحمل أمانة الدعوة والخلافة في الأرض، بعد أن تعلن السورة نكول بني إسرائيل عن حملها، ونقضهم لعهد الله، وتجريدهم من شرف الانتساب الحقيقي لإبراهيم عليه السلام، وتبصير الجماعة المسلمة، وتحذيرها من العثرات التي سبّبت تجريد بني إسرائيل من هذا الشرف العظيم، وكلّ موضوعات السورة تدور حول هذا المحور المزدوج بخطيّه الرئيسين.
ولكي يتّضح مدى الارتباط بين محور السورة وموضوعاتها من جهة، وبين خط سير الدعوة أوّل العهد بالمدينة، وحياة الجماعة المسلمة وملابساتها من الجهة الأخرى، يحسن أن نلقي ضوءا على مجمل هذه الملابسات التي نزلت آيات السورة لموجهتها ابتداء.
لقد تمّت هجرة الرسول صلّى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد تمهيد ثابت وإعداد محكم تحت تأثير ظروف حتمت هذه الهجرة وجعلتها إجراء ضروريا لسير هذه الدعوة في الخط المرسوم الذي قدّره الله لها، وكان موقف قريش العنيد من الدعوة في (مكة) خاصّة بعد وفاة خديجة وموت أبي طالب قد أدّى إلى تجميد الدعوة تقريبا في مكّة وما حولها، ومن ثمّ كان بحث الرسول عن قاعدة أخرى غير مكّة، تحمي العقيدة وتكفل لها الحريّة، وبعد محاولات إلى الحبشة والطائف فتح الله على الرسول الكريم، فكانت بيعة العقبة الأولى والثانية [1] ، وهما ذواتا صلة قويّة بالموضوع الذي نعالجه في مقدّمة هذه السورة،
(1) انظر تهذيب سيرة ابن هشام.