يبحث هذا الفصل في الكيفيّة التي اتّسق بها الخطاب القرآني في سورة البقرة، وانعكاسات هذا الاتّساق في العلاقة بين نصّ السورة الكريمة وسياقها. وربّما يجدر بنا التنبيه إلى أنّ رصد هذه الكيفيّة يعني تحديد المؤهّلات اللغوية التي امتلكها النصّ، وحقّق من خلالها وظيفة التواصل مع المخاطبين. ويستخدم مصطلح المؤهّلات اللغويّة في لسانيّات الخطاب ليدلّ على = قدرة النصّ على إنتاج متواليات صوتيّة في شكل تركيبي ما، مع بعض المعنى وبعض القصد، وفي السياق الطبيعي والاجتماعي والعقلي المناسب لهذه المتواليات، بموافقة النماذج والاستراتيجيات التي تتبعها اللّغات في كلّ حالة من حالات التواصل = [1] . ويعبّرون عن توافر هذه المؤهلات على شكل منظومة = من الشروط اللغوية والنفسية، والشروط المتعلقة بمقتضيات الأحوال = [2] . التي ينسجم من خلالها النصّ مع سياقه. وسنعالج هذه الشروط الثلاثة متداخلة معا، مع التمييز الواضح بين محورين:
المحور الآني الذي = يركّز في تحليله للظواهر على جملة علاقاتها وأبنيتها المتراكبة، وانتظامها في نسق متّصل = [3] . وهذا المحور يرصد صورة وصفيّة للنص في لحظة محدّدة وفي سياق معين.
المحور التعاقبي [9] الذي = يعنى بتطوّر الظواهر والنموّ في النصّ الأدبي = [4] . ويفتح آفاقا للنصّ تجعله قابلا للقراءة ومؤثرا في فترات زمنيّة متعاقبة.
وسيكون هذا النظر وهذا التمييز في ضوء نظرية العلاقة بين النص والسياق، التي أوضحنا مظاهرها في الفصل الأول من هذا الكتاب، ومن خلال بعض عناصر الموقف الكلامي في سورة البقرة.
(1) محمد مفتاح، دينامية النص، ص 20.
(2) نفسه، ص 22.
(3) أحمد المتوكّل، الوظائف التداولية في اللغة العربية، ص 8.
(9) اخترنا مصطلح (التعاقبي) بدلا من (التاريخي) الذي يستخدمه بعض اللّسانيّين لما يمكن أن تسببه لفظة (التاريخي) من اشكالات في هذا السياق، قد لا تتناسب مع كلام الله تعالى.
(4) نفسه، ص 9.