{خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلََا هُمْ يَحْزَنُونَ =} [1] . والآية السابقة التي تتحدّث عن تضاعف الصدقة وأجرها العظيم. = كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل = ثمّ الآيات التي تتحدّث عن إتمام الإنفاق من غير منّ ولا أذى، وهو من كمال الصدقة، إنّ سبب النزول الذي مرّ بنا في موضوع الإنفاق يرينا أنّ هدف التربية القرآنية ليس الحديث عن القمّة السامقة، وضرورة الارتقاء إليها، بل هو يعالج الضعف الإنساني كذلك، وكيفيّة التعامل معه، وتحفيز لكوامن الشحن والاستثارة في هذا الكائن الإنساني الذي يحيط به الضعف من كلّ جانب. إنّ أسباب النزول إذن تمدّنا بروافد عديدة تسهم كثيرا في تحليل النصّ. فهي تصف السياق المقامي للنّص، وتصف طبيعة المخاطبين ووقائع أحوالهم، وتكشف عن هدف النصّ، وأثره، وتكشف عن آليّاته في الخطاب والتغيير، وهو ما يحتاج إليه الباحث والمفسّر والمحلّل الاجتماعي واللغوي الذي يتعامل مع النصّ من وجهته الاجتماعيّة بل العامّة.
حين درس العلماء المكّي والمدني من القرآن وجدناهم يصنّفون ذلك باعتبارات عديدة ومنها مراعاة أحوال المخاطبين، ومن ذلك اعتبارهم النصّ مكيّا إذا وقع خطابا لأهل مكّة، ومدنيّا إذا وقع خطابا لأهل المدينة، وعليه يحمل قول من قال: = إنّ ما صدّر في القرآن بلفظ = يا أيّها الناس = فهو مكّي، وما صدّر فيه بلفظ = يا أيها الذين آمنوا = فهو مدني، لأنّ الكفر كان غالبا على أهل مكّة فخوطبوا بيا أيّها الناس، وان كان غيرهم داخلا فيهم، ولأنّ الإيمان كان غالبا على أهل المدينة فخوطبوا ب = يا أيّها الذين آمنوا =، وان كان غيرهم داخلا فيهم أيضا، وألحق بعضهم صيغة = يا بني آدم = بصيغة = يا أيها الناس = [2] .
وهذا التقسيم بحسب المخاطب مع مراعاة أثر ذلك في طبيعة النصّ ولغته، طور متقدّم من أطوار الربط بين النصّ والسياق لدى أصحاب علوم القرآن. وسنجد الانعكاسات
(1) سورة البقرة، الآية (274) .
(2) الزرقاني، مناهل العرفان، ص: 193.