يقصد الأصوليّون الأحناف بدلالة الإشارة = ما ثبت بنظمه لغة، لكنّه غير مقصود ولا سيق له النصّ، وليس بظاهر من كلّ وجه = [1] . أو بتعبير آخر = دلالة اللّفظ على حكم غير مقصود ولا سيق له النصّ ولكنّه لازم للحكم الذي سيق لإفادته الكلام، وليس بظاهر من كل وجه = [2] . ولتوضيح هذه العبارة نسوق المثال التالي: يقول الله تعالى:
{= لََا جُنََاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسََاءَ مََا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً =} [3] .
فالحكم الذي سيق له الكلام ودلّ عليه اللفظ مطابقة وعبارة هو أنّ طلاق الزوج زوجته قبل الدخول بها، وقبل أن يفرض لها مهر هو طلاق مشروع لا إثم فيه على الزوج، وأنّ هذا الحكم المدلول عليه بعبارة النصّ يستلزم حكما آخر هو صحّة عقد الزواج بدون تعرض للمهر، وإلّا لم يكن الطلاق لتوقّفه على عقد زواج صحيح. وقد سمّوا الحكم الأخير باللازم المتأخر لأنّه إنّما استفيد بواسطة مدلول اللفظ الذي هو الحكم الأوّل للزومه إيّاه ولولاه ما عرف من الخطاب، ووجه التلازم بينهما يعبّر عنه المحقّق التفتازاني بقوله: = إنّما جعلوا اللازم المتأخّر ثابتا بنفس النظم عبارة (أي عند ما يكون مقصودا) أو إشارة أي عند ما يكون غير مقصود لأنّ نسبة الملزوم إلى اللازم المتأخّر نسبة المعلول إلى العلّة، بمعنى أنّ كلّ علّة تدلّ على معلولها، كالشمس تدلّ على الضوء، والنّار على الدخان = [4] . ودون شك أنّ إشارة النصّ إلى اللازم المتأخّر في الآية الكريمة كانت واضحة.
ويرى الإمام الشافعي أن القيود اللّغوية الواردة في الخطاب لا بدّ أن تكون مقصودة من قبل المتكلّم أو الشارع، إذ لا يتصور بتاتا أن يأتي الخطاب مشتملا على اسم
(1) البزدوي، الأصول، 1/ 68.
(2) د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، ط 3، المكتب الإسلامي / بيروت، 1984، 1/ 478.
(3) سورة البقرة، الآية (236) .
(4) البزدوي، الأصول، 1/ 75.