في كتابه = العالم والنصّ والناقد = (،،) الذي صدرت طبعته الأولى عن جامعة هارفارد عام (1983) ، يناقش إدوارد سعيد مسألة النّصّ وإمكانيّة قراءته بمعزل عن ظروف تشكيله، ودور النقد والناقد في هذا. ويبدأ (سعيد) بعرض هذه المسألة عن طريق استحضار نموذج لنصّ شكّله عازف البيانو الكندي (جلن جولد) . وهذا النّصّ هو عبارة عن تسجيل لحفلة موسيقيّة للسمفونيّة الخامسة لبيتهوفن حسب لحن على البيانو أعدّه (لسزت) . ويفصّل سعيد في سرد الظروف التي أحاطت بإعداد هذا التسجيل، والجدل الذي دار حوله، وعن زمن اللحن، ودور البيانو في محاكاة الجوّ الأوركسترالي، وعن القرص المصاحب للتسجيل الذي يحتوي على مقابلة غير رسميّة بين (جولد) ومدير إحدى شركات التسجيل. وفيه حديث من (جولد) عن سرّ هربه من الحفلات الحيّة التي يواجه فيها الجمهور، وهو أنّ هذه المواجهة المباشرة تسبّب له تشوّهات في طبيعة الإيقاعات والمعزوفات. ومن خلال هذه (الحالة) يطرح إدوارد سعيد أسئلة غاية في الأهميّة، ومنها كيف ننظر للنصّ (اللّحن في هذه الحالة) لو لم نعرف جملة الظروف التي أحاطت بتشكيله؟ هل يمكن النظر إلى النّص على أنّه مجرّد قرص بلاستيكي جامد لا يتحدّث؟ ومن غير أنّ نتفاعل مع الأسلوب المتهوّر وغير الرسمي للمقابلة التي أداها (جولد) ؟ ومن غير تفاعل مع صوت (جولد) أو نصّ (لسزت) الطاوسي أو؟
وهل يمكن تلقّي النصّ بمعزل عن هذا التماسّ المباشر مع الجمهور والسامعين كما فعل (جولد) حين عزف وحده في قاعة خالية؟
إنّ الوجود المادّي للنصّ يمكن إعادة إنتاجه في أوقات مختلفة، وحتّى أسلوب المؤلّف يمكن اعتباره أحيانا عنصرا محيّدا لا يربط النصّ بظروف إنتاجه، وإذن فما المرجع
الذي يتمّ قراءة النصّ من خلاله؟ إنّ الحديث (الخطاب المباشر) تعدّ ظروفه المحيطة هي المرجع فيه، حيث يكون المتحدّثون حاضرين وملمّين بظروف الجلسة التي تمّ فيها الخطاب بكلّ ما فيها من محيطات إدراكيّة أو ما يكمن خلفها من خلفيّات ثقافيّة للمتحدّثين. إنّ اللّغة وكلّ المؤشّرات الظاهريّة تربط الخطاب (الحديث) بالحقيقة الظرفيّة الملامسة له. أمّا في حالة النصّ (الكتاب أو القرص) فإنّ القراءة حينئذ تقوم بمهمّة تحقيق المرجعيّة، وفي هذه الحالة يفترض النّقاد أنّ النصّ يكون خارج العالم في الهواء، وعن طريق إلغاء علاقة النصّ بالعالم تصبح الطرق مفتوحة لدى هذا النصّ للدخول في علاقات مع النصوص الأخرى جميعها، وهذا بدوره يأخذ محلّ الحقيقة الظرفيّة التي يوضحها الحديث المباشر ويطلق (سعيد) على الحقيقة الظرفيّة اسم (دنيويّة النصّ) .