فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 509

ليصوّر ذلك تصويرا عميقا = كما يعرفون أبناءهم = والكشف عن طبائع المخاطبين عبر النصّ وحده قد لا يصل بالوصف إلى التشخيص والتدقيق، فالخطاب القرآني يتّصف بالعموم كما ذكرنا ليبقى النصّ قابلا للقراءة في عدد لامتناه من الحالات والشخوص.

والشواهد في هذا الباب كثيرة، وبعضها يتعلّق بطبيعة المخاطب الأوّل وهو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أو المؤمنين بالرسالة، أو المجاهدين لها، أو بطبيعة أعداء الرسالة وعلى رأسهم اليهود والمنافقون.

(52)النصّ يستدعي وقائع سابقة لها صلة بالواقع الاجتماعي المزامن له

وهو ما يمكن أن نطلق عليه تشابه السياقات مما يستدعي استحضارها من خلال الحديث عن النصّ، ومن ذلك قوله تعالى: {= أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كََانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلََامَ اللََّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مََا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ =} [1]

قال ابن عبّاس ومقاتل: نزلت في السبعين الذين اختارهم موسى ليذهبوا معه إلى الله تعالى، فلمّا ذهبوا معه سمعوا كلام الله تعالى، وهو يأمر وينهى، ثم رجعوا إلى قومهم، فأمّا الصادقون فأدّوا ما سمعوا، وقالت طائفة منهم: سمعنا الله من لفظ كلامه يقول: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم فلا تفعلوا ولا بأس = [2] . فالآيات تخاطب به الجماعة المسلمة في عهد رسول الله محذّرة إيّاها من حسن الظن باليهود، بل ومجرّد التفكير في إمكانيّة إيمانهم، ثم يستحضر النصّ واقعة سابقة هي صنع أولئك اليهود مع نبيّهم موسى عليه السلام. وجاء سبب النزول ليوضح هذه الواقعة.

وكذلك نجد في قوله تعالى {= وَكََانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا =} [3]

قال ابن عبّاس: = كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فكلّما التقوا هزمت يهود خيبر، فعاذت

(1) سورة البقرة، الآية (75) .

(2) الواحدي، أسباب النزول، ص 15.

(3) سورة البقرة، الآية (89) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت