من جانب قد قدّر المحذوف بالاتّكاء على الحقائق المنطقيّة وحقائق اللغة، وطبيعة التوافق بين لغة النصّ ومقامه، والاستئناس بنصّ قرآنيّ آخر في سورة الأعراف، واتكاؤه على سياق الواقع وهو حقيقة الوعد بالتكليم على الطور.
يؤدّي الحذف دورا رئيسيا في ترابط النصّ واتّساقه، كما إنّ تقدير المحذوف بالاستعانة بالسياق يؤدّي دورا رئيسيّا في فهم النص وتحليله. إنّ الحذف مثل الاتساق المعجمي، مثل الإحالة، مثل الاستبدال، كلّها عناصر وعلاقات داخل النصّ، تربط العناصر السابقة باللاحقة عن طريق إيجاد نوع من الترابط، والترابط علاقة دلاليّة تعتمد على جميع ما ذكرنا إضافة إلى نوع من السياق الضمني والافتراضي، الذي يحيّد الافتراضات غير المقبولة في هذا النصّ وهذا السياق، ويبقي الافتراضات المقبولة وصولا إلى القراءة الأكثر قبولا وقربا من الواقع، أو ممّا أراد المخاطب إفهامه للمخاطب.
ومن ذلك ترابط الوقائع وترابط المفردات والدلالات وترابط العنصر الزمني، وكلّ هذا رأيناه من خلال الأمثلة السابقة، ونضيف إليه هنا أنّ المعرب يعتبر النصّ الذي فيه حذف نصّا تاما، إنّه خطاب ناقص انتقائيا بتعبير منظور تحليل الخطاب ولكنّه نصّ منسجم نظرا لأنّ المستمع / القارئ يملأ الناقص عن طريق الاستدلال، باعتبار القضايا غير المعبّر عنها فيه ضمنيّة، ومن أمثلة كلّ هذا في تحليل النصّ قوله تعالى في الآية (223) :
{= نِسََاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ =} قال الزجّاج = أي فروج نسائكم = [1] . ومثله قوله تعالى: {= قََالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلََاقُوا اللََّهِ} = [2] . = أي ملاقون ثواب الله = [3] . ومنه كذلك قوله تعالى {= فَإِنْ لَمْ يَكُونََا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتََانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدََاءِ أَنْ تَضِلَّ =} أي
(1) الزجاج، إعراب القرآن، ص: 49.
(2) سورة البقرة، الآية (223) .
(3) الزجاج، إعراب القرآن، ص: 50.