ولعلّ التفرقة بين المكّي والمدني في النصّ تعدّ تفرقة بين مرحلتين هامتين ساهمتا في تشكيل النصّ سواء على مستوى المضمون أم على مستوى التركيب والبناء. وليس لذلك من دلالة سوى أنّ النصّ ثمرة للتفاعل مع الواقع الحيّ التاريخي، وإذا كان العلم بالمكّي والمدنيّ يكشف عن الملامح العامّة لهذا التفاعل، فإنّ علم أسباب النزول الذي سلف الحديث عنه يكاد يزوّدنا بالمراحل الدقيقة لتشكيل النصّ في الواقع والثقافة. ولذلك جهد علماء القرآن ليس في تبيّن دقائق هذا الموضوع فحسب، بل في ذكر فوائده الجمّة، في كلّ زمان ومكان، ويذكرون من هذه الفوائد = الاستعانة في تفسير القرآن، والاستفادة منها في أسلوب الدعوة، فإنّ لكلّ مقام مقالا، ومراعاة لمقتضى الحال، فالخطاب يختلف
باختلاف أنماط الناس ومعتقداتهم، وأحوال بيئتهم، وتتلاءم طرائق الخطاب بما يلائم نفسيّة المخاطب = [1] . كما أنّه = عماد قويّ في تاريخ التشريع يستند إليه الباحث في معرفة التدرّج في الأحكام والتكاليف = [2] .
وحين فرّق العلماء بين المكّي والمدنيّ اعتمدوا غالبا على المعيار المكاني، ولمّا كان مكان الاتّصال / الوحي مرهونا دائما بمكان المتلقّي الأوّل للوحي، الذي هاجر من مكّة إلى المدينة، ثمّ عاد إلى مكّة فاتحا، وأخذ يتردّد عليها بعد ذلك زائرا أو حاجّا، فقد ذهب بعضهم إلى أنّ المكّي ما نزل بمكّة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة، وفرّقوا بين السفري والحضري، والسمائي والأرضي [3] وكلّ هذه التقسيمات تستند إلى معيار المكان دون نظر إلى النصّ من حيث المضمون أو من حيث الشكل، وثمّة معيار آخر للتفرقة بين المكّي والمدنيّ هو معيار المخاطبين بالنصّ على التغليب في كلّ مرحلة من المرحلتين فالمكّي ما وقع خطابا لأهل مكّة، ولو نزل بالمدينة، والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة ولو نزل بمكّة، وثمّة معيار زماني، فما وقع قبل الهجرة يعدّ مكيّا ولو نزل في المدينة، وما وقع بعد الهجرة يعدّ مدنيّا ولو نزل في مكّة.
ويقترح د. حامد نصر أبو زيد أن يكون معيار التصنيف مستندا إلى الواقع من جهة، وإلى النصّ من جهة أخرى. إلى الواقع لأنّ حركة النصّ ارتبطت بحركته، وإلى النصّ من حيث مضمونه وبناؤه ذلك أنّ حركة النصّ في الواقع تنطبع آثارها في جانبي النصّ. ولذا فمعيار التصنيف هو التفرقة بين مرحلتين تاريخيّتين تفصل بينهما الهجرة فالمكّي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعدها سواء نزل بمكّة أم بالمدينة [4] . ودليل صحّة هذا المعيار (ارتباط النصّ بحركة الواقع) أنّ علماء الإسلام حين كان يلتبس عليهم إيجاد دليل حاسم على مكان نزول الآيات كانوا يلجئون إلى بعض المعايير المضمونيّة
(1) منّاع القطان، مباحث في علوم القرآن، ص: (6059) .
(2) نفسه، ص: 51.
(3) انظر الإتقان للسيوطي، والبرهان في علوم القرآن للزركشي، باب أسباب النزول والمكي والمدني.
(4) نصر حامد أبو زيد، مفهوم النصّ، ص 92.