داخل النصّ ذاته، فذهبوا مثلا إلى أن = كلّ سورة فيها { (يََا أَيُّهَا النََّاسُ) } وليس (يل أيّها الذين آمنوا) فهي مكيّة. وهذا المعيار المضموني أيضا له صلة بالواقع الاجتماعي كما نرى فيبرز فيه عنصر مراعاة المخاطب مرتبطا بالعنصر الدلالي والتعبيري داخل النصّ، وكلّ سورة فيها (كلّا) فهي مكيّة، وحكمة ذلك = أنّ نصف القرآن حسب ترتيب التلاوة وحسب ترتيب النزول نزل أكثره بمكّة، وأكثرها جبابرة، فتكرّرت فيه (كلّا) على وجه التهديد والتعنيف لهم، والإنكار عليهم بخلاف الصنف الأول = [1] . ويبرز في هذا المعيار المضموني أيضا، عنصر مراعاة المخاطب، والتكيّف مع الظرف الاجتماعي، وأثر ذلك في أسلوب الخطاب.
ويذكر علماء القرآن أيضا أنّ كلّ سورة فيها ذكر المنافقين هي مدنيّة سوى العنكبوت، وهنا تبرز مراعاة ظروف التخاطب والمخاطبين كذلك، وأثرها في المستوى المعجمي والدلالي للنصّ، وكلّ سورة فيها الحدود والفرائض فهي مدنيّة، وفي هذا مراعاة للوضع النفسي والاعتقادي للمخاطب ومراعاة الظروف الاجتماعيّة والسياسيّة أيضا فالحدود لا تطبّق إلّا بوجود دولة إسلاميّة. وهذا العامل يجد أثره واضحا في مضمون الخطاب وموضوعه، بل وفي بنيته الكليّة بتعبير (ديك) .
وليست هذه الخصائص جامعة مانعة كما أدرك العلماء أنفسهم، بل هي خصائص وصفات على التغليب فإنّ سورة النساء مدنيّة وفيها { (يََا أَيُّهَا النََّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) } ، وإذا كان معيار المضمون كما هو الحال في معيار المكان معيارا غير حاسم. فذلك لأنّ المدخل الفقهي يفترض وجود تمايز واضح حادّ يمكن تلمّسه والدلالة عليه في التفريق بين المكّي والمدني. وهذا غير ممكن لأنّ المرحلتين المدنية والمكية متداخلتان تداخلا واضحا، ولذا تظل مسألة التفريق بين المكّي والمدني في النصّ تفرقة تقوم على خصائص عامّة ولكنّها ليست حاسمة، ويمكن الاستعانة هنا بالمعيار الزماني جنبا إلى جنب مع المعيار المكاني والموضوعي، وإضافة معيار جديد هو معيار الأسلوب، أي محاولة البحث عن
(1) السيوطي، الإتقان / 1/ 67.